ملفات ساخنة

                                                             

الرقم

الموضوع

الرقم

الموضوع

1

من يجرؤ على الكلام

2

عالم جورج بوش السري

3

رحلة السيد هبة الدين الشهرستاني الى سلطنة عمان

4

هيكل للجزيرة : سوريا لم توقع مع اسرائيل

5

العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني

6

 قبول حق الاختلاف مع الغير

7

 أسباب الخلافات والصراعات العربية /الإسلامية

8

 انتفاضة البحرين المنسيه

9

 أثر الجواري في العصر العباسي 

10

ترانيم المهد في التراث الشعبي

 11

الجزر الإماراتية الثلاث

 12

وثيقة تاريخية تكشف مؤامرة بيع فلسطين لليهود

13 قوس حوزة السيستاني 14 طرائف سياسية واقعية
15 إذا فرضوا القتال فليحسم لصالح الديمقراطية 16 الثورة العربيّـة المُضادّة: هجمة آل سعود -
17 لقاء صحفي مع الإمام علي ( ع) 18 سؤال عن الوحشية في الشرق
19 هيكل: دعاة الحرية في البحرين ظلموا 20 البحرين وشهرزاد ولعنة الاطباء
       
       
       
       

 

 

 

 

 

   

 

(1)            من يجرؤ على الكلام

 

السناتور الأمريكي السابق بول فيندلي

عضو في الكونجرس من أواسط الغرب يتعرف على الشرق الاوسط

 

http://www.aljlees.com/6s1898183-2887.html

 

( الفصل الأول )


يتساءلون هنا (كيف يتورط نائب من بلاد الفلاحين في قلب أمريكا في السياسات الشرق أوسطية ؟ ) الواقع أنه ليس عندي, كسائر أعضاء الكونجرس الريفيين, دوائر انتخابية عرقيه تستميلني إلى جانب مصالحها الخارجية ,فركزت بطبيعة الحال على أمور كالزراعة الميزانية العامة والإصلاحات المعيشية.

وقد عينت حديثا في الجنة الفرعية لأوربا والشرق الأوسط. وكنت لاثنتي عشرة سنه خلت أمثل منطقة سبرنغفيلد (ايلنوي) من غير أن أجتذب انتباها كبيرا لا في الداخل ولا في الخارج. ولم يهتم أحد بزيارتي الأولى لإسرائيل ومصر عام 1972,حتى أن صحيفة الجيروزالم بوست, صحيفة إسرائيل الرئيسية باللغة الانجليزية, لم تأت على ذكرها.

ولكن بعد ثماني سنوات عاد علي انغماسي في شؤون لشرق الأوسط السياسة بالعار والشنار لدى الكثيرين من يهود أمريكا,وبالسمعة السيئة في إسرائيل , وبالإطراء والمديح في كل أرجاء الوطن العربي.
وبحلول العام 1980وجدت نفسي هدفا لأبهظ حمله رلمانية في تاريخ الولاية, شنتها المدن التي يتمركز فيها النشاط الموالي لإسرائيل,ولكن بعيدا ن اليهود المحليين في أواسط ايلنوي الذين عرفوني فوثقوا بي. وبفضل سيل الدولارات العدائية المتدفق من المناطق الساحلية ومن شيكاغو المجاورة
أصبحت(عدو إسرائيل رقم واحد) كما أصبحت الحملة ضد عادة انتخابي الشغل الشاغل للوبي الإسرائيلي .

وكنت قد بدأت عند انضمامي إلى اللجنة الفرعي لمرة الأولى أشك, بناء على تحليل أستاذ بكلية ايلنوي, في حكمة السياسة التي تتبعها الولايات لمتحدة الامركية في الشرق الأوسط . على إنني كتمت ذا الشك في نفسي معظم الوقت لكن ليس خوفا من العواقب السياسية. ففي الواقع ظننت بكل سذاجة أن في وسعي مناقشة سياستنا أينما كنت دون أن أواجه أية متاعب. ولم أكن اعرف تماما مدى عمق تغلغل جذور المصالح الإسرائيلية في المؤسسات الأمريكية.
ولا يسمع أعضاء الكونجرس في العادة غير وجهة النظر الإسرائيلية , فلم تكن هناك لوبيات عربية أمريكية - وما وجد منها لا يزال حتى اليوم قليل الخبرة, ولم  تبد السفارات العربية اهتماما كبيرا بأن يكون لها تأثير على أعضاء الهيئة التشريعية , بل أنها تتردد حتى الآن في استخدام خبراء في العلاقات العامة.وإذا ما أراد عضو في الكونجرس الاستماع إلى وجهة النظر العربية ,وجد صعوبة في العثور على متحدث عربي يشرحها له.

أما انخراطي الشخصي في شؤون الشرق الأوسط السياسية,فقط بدأ بمشكلة انتخابية في دائرتي لاعلاقة  باشرة لها بالنزاع العربي-الإسرائيلي.كان ذلك في ربيع 1973 عندما تلقيت رسالة من السيدة ايفا نز فرنكلين المقيمة في دائرتي الانتخابية ,وكانت مراسلة محلية لصحيفة ريفية كنت في يوم من الأيام رئيس تحريرها. وفي تلك الرسالة تناشدني السيدة فرنكلين مساعدتها في الإفراج عن ابنها (اد) المحتجز في سجن بعيد. فقد أدين بالتجسس وحكم عليه بالسجن الانفرادي مدة خمس سنوات في عدن,عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الماركسية. وبعد ان اطلعت على الرسالة أخذت أراجع الخارطة, فكل ما كنت أعلمه هو أن عدن كانت في يوم من الأيام قاعدة بريطانية رئيسية.

وعلمت من الأم المتظلمة أنه لولا ‘ إلغاء عدد من الرحلات الجوية لما اضطر ولدها إلى دخول عدن أطلاقا. فقد كان عائدا من أثيوبيا إلى مركز عمله كمدرس في الكويت عندما أمرت الطائرة بتغير طريقها والهبوط في عدن حيث تأخر إد مرة أخرى بسبب إلغاء رحلة الخروج. وشاء سوء طالعه أن يتلهى بهواياته فيلتقط صورا في منطقة محظورة من غير علم بالتحذيرات المحلية. وكان العدنيون حينذاك مازالوا ينفعلون عند رؤيتهم زوارا شقر الشعر,إذا مابرحوا يذكرونالغارة التي شنها الكوماندوس البريطانيون بعيد جلائهم عن عدن قبل ست سنوات.

وبعد أن احتجز اد مدة شهر لاستجوابه جرت له محاكمة أدين فيها وحكم عليه بالسجن . وقد بذلت معظم المساعي لتأمين الإفراج عنه دون أية مساعدة من وزارة خارجيتنا. فلم يكن لحكومتنا أية علاقات دبلوماسية أو غير دبلوماسية مع عدن منذ انقلاب 1969 الذي جنح بنظام الحكم فجأة نحو اليسار . وهذا يعني أنه لم يكن باستطاعة وزارة الخارجية أن تقوم بأي تحرك مباشر. فطلبت المساعدة من صديق في السفارة المصرية بواشنطن. وبعث والدا اد, وهما من متوسطي الحال, برسالة إلى الرئيس العدني سالم ربيع علي, ملتمسين منة الرأفة. وبعثت أنا بالتماس مماثل وطلبت حكومتنا المساعدة من بريطانيا عن طريق سفارتها في عدن, إلا أن جميع هذه المبادرات ذهبت أدراج الرياح.

 وفي كانون الأول(ديسمبر) 1973 قمت بزيارة عبد الله الأشطل, سفير عدن لدى الأمم المتحدة بنيويورك, وسألته عما إذا كان بوسعي أن أتوجه شخصيا إلى عدن لتقديم التماس بالإفراج عنه.والأشطل دبلوماسي شاب قصير القامة ,وسيم الطلعة, كان يحضر دروسا مسائية عالية في جامعة نيويورك, وقد وعدني برد سريع وجاء الرد بعد أسبوعين بالترحيب بزيارتي .

إذا قررت الذهاب , كان علي أن أسافر وحدي لأكون أول عضو من مجلس النواب أومجلس الشيوخ في الكونجرس الأمريكي يزور عدن عدن منذ أن أصبحت جمهورية عام 1967, و أول رسمي يزورها منذ أن قطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد الانقلاب بسنتين. ومع إن مشروع الزيارة كان مثيرا, فأنني قد توجست فيه شرا, خصوصا وإنني لست مبعوثا مفوضا. ووزارة خارجيتنا تعتبر اليمن  الجنوبية التي يقال عنها أحيانا كوبا العالم العربي, أكثر الدول العربية راديكالية. ولم يخفف صديق لي في الوزارة من روعي بعد أن ابلغني أن وزير خارجية عدن لم يصبح وزيرا إلا لأنه (قتل من الخصوم أكثر من أي مرشح آخر لهذا المنصب) .

وعند ذاك تواردت على ذهني الخواطر المقلقة, وأخذت أفكر كيف سيكون استقبالهم لي. وتداولت في أمر هذه الرحلة مع ألفرد ل. اثرثون, مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا. فسألته (لو حدث واحتجزوني, فما عساكم فاعلين أولا؟) فابتسم وأجاب( أبحث عن عضو آخر في الكونجرس ليتقدم ويخرجك).

ومع ذلك فربما كنت الشخص الوحيد الذي باستطاعته مساعدة أسرة فرنكلين. وقالت لي الوالدة (أشك في أن أد سيبقى حيا خمس سنوات في سجون اليمن). وأفصحت لي زوجتي لوسيل عن مخاوفها من هذه الرحلة , ولكنها وافقت على أنه لم يكن أمامي من خيار غير السفر.

وخطر ببالي أن هذه الرحلة قد تكون فرصة لفتح الباب أمام علاقات أفضل مع هذا الجزء الحيوي من العالم على الرغم من قلة المعلومات عنه . ونظرا لاحتمال إعادة فتح قناة السويس في وقت قريب حينذاك, فان إقامة علاقات أفضل مع عدن قد تكون مهمة للمصالح الأمريكية في المحيط الهندي. ثم أن عدن, إضافة إلى جبوتي الخاضعة للسيطرة الفرنسية, تهيمن على مضيق عالمي الشهرة ومهم جدا ويعتبر بوابة قناة السويس. وإذا نجح السوفيات الحاضرون فعلا بواسطة بعثات المساعدة والمستشارين العسكريين, في السيطرة على حكومة عدن, تحكموا عمليا بالقناة من الجنوب. فكان من
الواضح, عدا الإفراج عن أد فرنكلين, أن الولايات المتحدة بحاجة إلى علاقات طيبة.

وأخيرا عقدت العزم على السفر, وتقرر البدء بالرحلة في أواخر آذار (مارس) 1974. وعلمت من المطلعين على شؤون الشرق الأوسط أن وزير الخارجية هنري كيسنجر الذي كان على وشك البدء بمفاوضات مكوكية بين إسرائيل ومصر, يحظى بقدر كبير من الاحترام في عدن. ومع إنني كنت أشك في أن باستطاعته تخصيص لحظة واحدة للبحث في أمر رحلتي, فقد طلبت من وزارة الخارجية تزويدي بكتاب أحمله معي ويكون واضحا إلى أقصى حد مستطاع بخصوص العلاقات الأمريكية- العدنية .

ولكم كانت دهشتي عندما تسلمت كتابا شخصيا من كيسنجر قبل سفري بثلاثة أيام يعرب فيه عن ترحيبه (بمهمتي الإنسانية) إلى عدن, وأضاف(وإذا سنحت لك الفرصة فقد يكون بودك إطلاع المسئولين الذين تلتقي بهم على التزامنا المستمر بالعمل في سبيل سلام عادل  ودائم في الشرق الأوسط, وعلى رغبتنا في تدعيم علاقاتنا مع العالم العربي) .

وكان هذا الكتاب الموجه إلي وليس إلى حكومة عدن بمثابة وسيلة دبلوماسية لجس النبض, فخامرني الأمل بأن يقنع من التقي به من المسؤولين بأن الولايات المتحدة راغبة في أنشاء علاقات طبيعية والمسافر الطيب يحمل دائما الهدايا. وبناء على نصيحة صديق مصري, حصلت على منح دراسية من ثلاث كليات في ايلنوي لأقدمها لطلاب في اليمن الجنوبية. وعثرت على نسختين لترجمة عربية لسيرة حياة لنكولن كما كتبها كارل ساندبرغ وجلدتهما تجليدا أنيقا خاصا, وحملت أيضا تمثالين صغيرين لرأس لنكولن, أعظم منأنجبت دائرتي الانتخابية, لعله يكون معروفا كذلك في عدن.

غادرت واشنطن في وقت مبكر لتتاح لي زيارة سوريا قبل أن أتوجه جنوبا إلى عدن. ولم تكن لسوريا علاقات دبلوماسية طبيعية مع الولايات المتحدة منذ حرب 1967 مع إسرائيل. وعلى الرغم من أهمية هذا البلد المتزايدة , فلم يدر بخلد أحد من مجلس النواب الأمريكي مدة خمس سنوات أن يقوم بزيارته. ولكم كانت دهشتي عندما وافق الرئيس السوري حافظ الأسد على استقبالي دون موعد سابق, ربما لأنه أعجب بحضور عضو من الكونجرس الأميركي قيل له أنه منفتح الذهن على قضايا الشرق الأوسط.

استقبلني الأسد في قاعة الاستقبال الرحبة في الطبقة الثانية من مبنى مكتبه, فوجدته فارع الطول, قوي البنية, عريض الجبهة, ودودا, هادئا. وقد عرض وجهات نظره بقوة من غير أية بادره عدائية. وبينما كنا نحتسي القهوة العربية اللذيذة أعرب الرئيس السوري عن امتعاضه من الدعم الامريكي لتصرفات إسرائيل . وقال ( اننا نشعر بالمرارة إزاء المدافع والذخائر التي تمدون بها إسرائيل. كيف لا؟ ولكن المرارة هي غير العداوة . والوقع إننا نكن مشاعر ودية للشعب الأمريكي. وعلى الرغم من الحرب فان الشعب السوري يحب الأمريكيين منذ سنين ) .

وفيما انا أظهر تعاطفي معه أخذت زمام المبادرة وطالبته بإعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة وانتزاع ورقة من دفتر الاسرائيلين للعلاقات العامة. واقترحت عليه السفر الى الولايات المتحدة لطرح قضيته مباشرة على الشعب الامريكي بالتلفزيون.

فأجاب الرئيس الأسد(ربما اننا أرتكبنا بعض الأخطاء, وينبغي أن تكون لنا علاقات عامة أفضل. وأنا موافق على ما تقوله وتشير به , إلا انني لا ادري متى سيكون بوسعي زيارة الولايات المتحدة).

وإذ نهضت لأنصرف قال لي الرئيس الأسد (أفوضك بان تدعو باسمي أعضاء الكونجرس لزيارة سوريا باسرع مايمكن,فعلى الرحب والسعة. ونريد ان نستقبل المنتقدين والأصدقاء منهم على السواء). ولكن عندما
وجهت دعوة الرئيس الاسد شخصيا الى كثرة من زملائي, وفي تقرير رسمي وزعته على الجميع,لم يقبلها سوى القليل. و لم يقم أول فريق من الكونجرس بزيارة سوريا إلا في العام 1978, أي بعد أربع سنوات من توجيه الدعوة.

وبعد اللقاء مع الرئيس السوري, نقلتني السيارة في ساعة متأخرة من الليل من دمشق إلى بيروت لأستقل منها الطائرة إلى عدن. وفيما كانت السيارة تقترب من الحدود السورية-اللبنانية سمعت اصوات القصف الأسرائيلي لجبل الشيخ,فكان ذلك تذكرة محزنة بأن القتال لم يتوقف على الرغم من مرور سبع سنوات على انتهاء حرب1967.

في العام 1974 كانت بيروت لاتزال (باريس الشرق الأوسط) مدينة غربية المظهر ذات حياة ليلية صاخبة وتجارة ناشطة.وكان فندق هوليداي إن الجديد قد افتتح لتوه بمواجهة البحر. وكان كل شارع في المدينة تقريبا يتباهى بوجود مصرفين دوليين فيه وثلاث مكتبات على الاقل واثنى عشر مطعما. وفي العام التالي بات الهوليداي إن ساحة قتال بين مليشيا الكتائب التي تساندها اسرائيل والتحالف اللبناني اليساري الذي يضم بعض الفلسطينيين وتؤيده الحكومات العربية وموسكو.

لقد مزقت جدرانه القذائف و امتلأ قسمه العلوي بجثث القناصين. وقد حولت الحرب الأهلية البغيضة التي اندلعت عام 1975, بيروت إلى مدينة ركام.

وحتى عام 1974 لم يكن للاجئين الفلسطينيين في المخيمات نصيب مما اصابته بيروت من ازدهار ورخاء.وقد مررت بالاكواخ البائسة في مخيمي صبرا وشاتيلا حيث وقعت بعد تسع سنوات مذبحة هزت العالم أجمع إذ ذهب ضحيتها مئات من الفلسطينين المدنيين. وقال لي مرافقي من السفارة الامريكية (هذة المخيمات البائسة لم تتحسن منذ 20سنة).

ومررت أيضا بمخيم تل الزعتر الذي واجه سكانه بعد ذلك بقليل مصيرا أشد ضراوة ووحشية. فبعد سنه حاصرت المليشيا(المسيحية) اليمينية المخيم, وقد تولت حكومة اسرائيل العمالية تسليحها و أرشادها مدة 45 يوما.وقضى 15 ألف فلسطيني نحبه, كثيرون منهم بعد  استسلام المخيم. وأعدمت المليشيات كل شاب بقي على قيد الحياة. ولم تأبه الصحافة العالمية كثيرا بتلك المذبحة التي يكاد لا يذكرها أحد سوى الفلسطينيين أنفسهم.

و في ذلك الحين, و كنا في ربيع1974, لم يكن لدي أي حدس بسلسلة المآسي اللاحقة. وفي بيروت صعدت إلى الطائرة المتجهة إلى عدن وفي ذهني مأساة شخص واحد هو إد فرنكلين.

مهمتي في عدن :

لشد ما كانت دهشتي وسرني عندما وجدت في استقبالي في عدن وفدا من خمسة رسميين شباب, ثلاثة منهم وزراء, وكان راسي هو الأشيب الوحيد الذي يلمع بين رؤوسهم تلك الليلة. وقد بقي أعضاء الوفد يقظين حتى الساعة الثانية صباحا بانتظار وصول الطائرة, وبادرني رئيس التشريفات بقوله ( أهلا وسهلا, لقد أعددنا لك شقة لاقامتك) بشرى خير. فتبادر إلى ذهني أنني سأحشر في حجرة بأحد الفنادق, ولكن تبين أن الشقة هي بناء عتيق كان لعدة سنوات في عهد الاستعمار منزلا لقائد سلاح الجو البريطاني.

وللمبنى شرفة عريضة تظلها الأشجار- وهذا شيء نادر في عدن- وتطل على المرفأ العظيم الذي يعد نقطة استراتيجية مهمة منذ أن دار الانسان الأبيض حول راس الرجاء الصالح للمرة الأولى في القرن السادس عشر,تؤانسنا الشحارير بتغريدها فوق الأفنان.


وقد سمح لي بزيارة فرنكلين في السابعة والربع من مساء اليوم الأول, فوجدته تحت الحراسة في شقة في الطبقة الثانية من مبنى حديث ولكنه صغير.وعندما دخلت عليه كان واقفا بجانب أريكة في غرفة الجلوس. ولم يسبق لنا ان التقينا اطلاقا. بادرني إد بالقول (أعتقد أنك عضو الكونجرس فندلي).

وعلى الرغم من الانفعال الذي خلقته تلك المناسبة فقد ابتسمت إذ انتابني إحساس بما استولى على ليفنغستون من شعور في افريقيا الوسطى في منتصف القرن التاسع عشر.

و رأيت فرنكلين ضامرا بل هزيلا بعد أن أمضى 16 شهرا في الاعتقال , بدليل اتساع سراويله كثيرا عليه, ولكن شعره الأصفر كان مصففا بأناقة, ولحيته حليقة ناعمة, وبشرته مائلة إلى السمرة, وبدأ لي أكبر من عمره- وهو 34 سنة - بكثير.

كان بوسعنا التحدث معا على انفراد قلت (أراك نحيلا ولكنك تبدو في صحة جيدة) فرد قائلا (يسرني جدا قدومك, وأنا أشعر بأن حالي أحسن, وأصبح أحسن بكثير لوجودك هنا. وقبل بضعة أيام عندما نظرت في المرآة للمرة الأولى منذ اشهر هالني مظهري) , وقال أن سمرة بشرته هي نتيجة التريض اليومي في باحة السجن وأضاف أنه لم ينقل إلى هذه الشقة إلا قبل يومين فقط, مما يدل على أن السلطات لم تشأ أن أراه في السجن.

وناولته صندوقا وقلت له (هاك صندوقا فيه مأكولات مختلفة طلبت أسرتك مني نقله إليك), هنا تغير لون وجهه الذي لم يبد عليه حتى الآن أي أثر للانفعال وقال معقبا ( أظن أن هذا معناه أنني لن أعود معك إلى  الوطن) . قلت (لا أدري).

عندئذ عمد فرنكلين إلى تغير موضوع الحديث فقال (تركت الكتاب المقدس في السجن , وهذا يؤلمني لأنني أحب أن اقرأ فيه كل يوم) , قلت له (ان الكثيرين يصلون لأجلك) , فقال (أجل , أحسست هذا من البداية وقبل أن أعلم بذلك من الرسائل الواردة من الوطن , فقد حدثني به قلبي) .

وأكد لي فرنكلين أنه لم يتعرض جسديا لسوء إلا أن نقسه تعاف الطعام الذي يقدم إليه , كما أن بعض الأنظمة المفروضة تضايقه . (ولم يسمح لي بقلم وورق وأنا أحب الكتابة . وذات مرة كتبت شعرا على كيس ولكنهم أكتشفوا قلمي الرصاص فصادروه مني , ولا أدري لماذا) , ومع ذلك فلم يكن ناقما على آسريه . وقال (أحب العالم العربي , وربما شغلت وظيفة في السفارة الأمريكية إذا عادت وفتحت أبوابها في عدن في يوم من
الأيام).

فطمأنته إلى أنني (سأبذل قصارى جهدي لتأمين الافراج عنك أو على الأقل تخفيض مدة حبسك . فلهذه الغاية جئت إلى هنا , وسأحاول رؤيتك ثانية قبل عودتي وسأحاول كذلك تأمين السماح لك بقلم رصاص وورق ).

وفي طريق عودتي ألى الشقة أبلغت مرافقي برغبة فرنكلين في الحصول على مواد الكتابة , فاكتفى بالرد (سأرفع تقريرا بذلك) .

أمضيت يوم الجمعة , وهو يوم العطلة الأسبوعية عند المسلمين , متجولا في المناطق الريفية المجاورة المقفرة . والشيء الوحيد الذي قد يلفت نظر السائح هو بئر حجرية ضخمة أثرية لاختزان مياه المطر النادر. وفي المساء شاركني العشاء القنصل البريطاني , وهو رجل رقيق القلب كان من وقت لآخر يقدم لفرنكلين بعض الكتب للمطالعة .

ومما يذكر هنا أن البريطانين أدركوا منذ زمن طويل أهمية الأحتفاظ بعلاقات دبلوماسية حتى مع أنظمة الحكم المعادية , وقد أنشأوا لهم سفارة في عدن بعد مغادرتهم العاصمة لها بقليل .

وصباح السبت حضر إلى شقتي وزير الخارجية السيد م.ج مطيع حيث تباحثنا مطولا في العلاقات الأمريكية - العدنية . وكان موضوعه الرئيسي محنة الفلسطينيين تحت الأحتلال الاسرائيلي , وموضوعي الرئيسي فرنكلين . ولكنه اتهم الولايات المتحدة بمساعدة المملكة العربية السعودية على إثارة الشغب على طول حدود عدن . فأعربت له عن انزعاجي من هذه التهمة وقلت له أن لا علم لي بمثل هذه الأعمال وتمنيت أن اساعد على تحسين العلاقات . فرد السيد مطيع بقوله : (الماضي لم يكن حسنا , غير أن الحاضر يبدو أفضل , ونحن بحاجة إلى دليل جوهري على الصداقة . فنحن مثلا بحاجة إلى مساعدة لشراء القمح).

وبعد المداولة أمضيت وقتا طويلا دون طائل في محاولة الحصول على لائحة المشتريات التي حملتني إياها أسرتي . فلم يكن في السوق سوى عدد قليل من أجهزة الراديو اليابانية الرخيصة وبعض الحلي الرخيصة . وكان السوق خاليا تقريبا من المشتريين . وعندما عدت إلى قصر الضيافة تملكتني الدهشة حين رأيت مجموعة من الهدايا لفت كل واحدة منها باتقان , بينهما جنبيه- أي الخنجر اليمني المعقوف التقليدي , وغليون كبير احتفالي . ومع تلك الهدايا رقعة كتب عليه (مع تحيات رئيس الجمهورية) .

ترى , هل هذه الهدايا مجرد مغريات لتحل محل فرنكلين في رحلة العود إلى وطني ؟ أم أنها بشير النجاح ؟ في الواقع أنني لم أجرؤ على تصديق الفكرة الأخيرة . فلم يصدر أي تلميح إلى أن الحكومة تنوي تخفيض مدة سجن فرنكلين , ولكنها وافقت على الأقل على تزويده بقلم وورق .

في زياتي الثانية لفرنكلين بدا لي أكثر ارتياحا , وقد قبل الأقلام والورق التي أحضرتها له معي , وعلق قائلا (آمل ان لا أحتاجها بعد هذه الليلة) , فقلت أنه ليس ثمة ما يدعوني إلى الأمل بأنه سيرافقني في طريق العودة , ولكن كان حدسي أن السلطات العدنية ستفرج عنه قريبا .

ومساء اليوم الذي سبق رحيلي , استقبلني الرئيس سالم ربيع علي داخل مقره المحاط بحراسة شديدة , وهو يضم منزله ومكاتبه . وقد أدخلوني في قاعة استقبال مستطيلة تزينها طنافس زرقاء مشجرة وستائر ذهبيه تغطي جدرانها الثلاثة , اما الجدار الرابع فينفتح على فناء فسيح وراء المقر . وعلقت بالسقف المراوح في صفين متقابلين . وفي وسط القاعة مجموعة وحيدة من الأرائك والمقاعد المذهبة التنجيد .

وما أن بلغت دائرة المفروشات حتى دخل الرئيس علي بصحبة وزير خارجيته ومترجم من الباب الذي دخلت منه . ولم اكن بحاجة إلى من يعرفني بالرئيس العدني إذ رأيته في الصور المعلقة في أماكن عديدة من عدن , إلا أن تلك الصور – والحق يقال – لم تكن منصفة له – فهو رجل مديد القامة , قوي البنية وهو في الأربعين من عمره , وقد خالط شعره الأسود بعض البياض , أسمر البشرة , جليل في مشيته وجلسته. وكان يتكلم بصوت ناعم , ويلمع سناه الذهبيتان كلما انشق فمه عن ابتسامه رقيقة .وبعد تبادل التحيات , شكرته على حسن ضيافته وهداياه . ثم بدأت بتقديم هداياي , أولا كتاب لنكولن وتمثاله ثم المنح الدراسية .

وكان بالطبع ينتظر كتاب كيسنجر الذي يدل على الوزن الذي تعلقه الولايات المتحدة على مهمتي . وعندما سلمته إياه حاولت أن اتوسع في شرح أهميته . قلت (لعل فخامتكم تسمحون لي بالادلاء ببعض الشروح . ان هذا الكتاب يعرض بصفه رسمية رغبة الولايات المتحدة في إعادة العلاقات الدبلوماسية . وهذا شيء مهم .
وحكومتنا بحاجة إلى هذه العلاقات لتفهم سياسات عدن ومشكلاتها . غير أن رئيس الولايات المتحدة ووزير    الخارجية لا يستطيعان تجاوز حدودهما في السياسة الخارجية , ولا يفعلان إلا ما يؤيده الكونجرس , ولذلك فمن المهم أيضا أن يتفهم أعضاء الكونجرس على نحو أفضل أوضاع عدن والعالم العربي عموما ) .  فرد علي الرئيس (ان عدن هي مثل متألق للجمهورية . أما المناطق الأخرى من بلادنا فوضعها مختلف جدا ,
وسكانها أكثر فقرا ). وهنا كدت أغص بريقي إذ لم أشاهد غير عدن , وقد هالني الفقر المدقع الذي يعيشه هذا(المثل المتألق) الذي ضربه الرئيس علي , فكيف تكون الحال إذا في المناطق الأخرى؟

وفيما كنت أدون بعض الملاحظات أخبرني الرئيس علي أن مساعي حكومته لمكافحة الفقر تعرقلها أعمال (تخريبية) من الدول المجاورة . وقال بصراحة (ان شعب بلادنا يعتقد أن كل المآسي وكل الأضرار الناجمة عن أعمال المخربين هي في الحقيقة من الحكومة الأمريكية . فجميع العتاد الذي صادرناه هو من صنع أمريكي ) . وقال ان في وسعي تفحص بعضه خارج المقر .

قلت أن هذه المعلومات غير معروفة في الولايات المتحدة , الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى العلاقات الدبلوماسية لوضع حد لمثل هذا الأذى . فأجاب موافقا: (إنني أحبذ إقامة علاقات مع الولايات المتحدة , ولكن يجب أن تكون ذات علاقة بالأمور التي يشكو منها شعبي الآن) . وأضاف (أن عدن لا ترغب في الأنعزال عن الولايات المتحدة) .

وشكرني الرئيس علي على الهدايا معلنا أنتهاء المقابلة , فأحسست أن الفرصة التي طال انتظاري لهاقد حانت ويجب أن أقتنصها وأتقدم بالتماس بشأن فرنكلين .

غير أن الرئيس سالم ربيع علي وفر علي مئونة ذلك إذ بادرني بالقول (أما بخصوص السجين فسرعان ما علمت باهتمامك به , عملت على التأكد من أنه يلقى معاملة تفضيلية . ودرست تلبية طلبك , وبوسعك الآن أن تأخذه وقت تشاء) .

كدت لا أصدق ما سمعت ... (وبوسعك الآن أن تأخذه وقت تشاء) . فقد غمرتني الفرحة حتى أنني تعثرت أثناء خروجي من القاعة ... فرنكلين حر طليق . وبالفعل وجدته بانتظاري في شقتي , وفي الساعة السادسة من صباح اليوم التالي كنا معا على متن الطائرة المتجهة إلى بيروت فنيويورك فسانت لويس , حيث رحبت أسرة فرنكلين بعودة إد إلى بيته .

ويبدو أن حضوري الشخصي إلى عدن كان العامل الوحيد لتأمين الافراج عنه . لماذا ؟ لأن معنى ذلك أن عضوا في الكونجرس من اواسط الغرب لا يتمتع بشهرة محلية ولا دولية يرغب في تخصيص وقته لمساعدة أحد أبناء دائرته الأنتخابية وللاستماع إلى القضية العربية .

وأنا على يقين من أن السبب الرئيسي في الأفراج عن فرنكلين كان أتجاه حكومة عدن نحو البحث بكل حذر عن علاقات أفضل مع الولايات المتحدة . والحذر ضروري إذ أن في البلدين أناسا لا يرغبون في تحسين العلاقات . والرئيس علي كان أقل زمرة الحاكمين الثلاثة جنوحا نحو الماركسية . وحتى في وزارة الخارجية الأمريكية كان بعض (الخبراء في الشؤن العربية) , مازالوا غاضبين لإبعاد اليمنيين الوجود الأمريكي قبل سنوات , واعتبروا عدن (مجرد مكان لتدريب الأرهابيين من منظمة التحرير الفلسطينية ) , بينما يرى آخرون مثل كيسنجر خلاف ذلك , فجاءت قضية إد فرنكلين تتيح الفرصة للبدء في البحث .

غير أن الحكومة الأمريكية تلكأت وتهربت من الجواب وتأخرت ثلاث سنوات . وحل جيمي كارتر محل جيرالد فورد في البيت الأبيض وأصبح سايروس فانس وزيرا للخارجية . وقد رفضت حكومتنا طلب عدن شراء القمح بالدين , ثم رفضت عرضها لشراء ثلاث طائرات أمريكية مستعملة , ومضت تؤجل حتى المحادثات التمهيدية .

وعند اجتماعي الثاني بالرئيس العدني سالم ربيع علي في أيلول (سبتمبر) 1977 في نيويورك حيث ألقى خطابا في الولايات المتحدة , أعرب من جديد عن رغبته في تجديد
العلاقات مع الولايات المتحدة وأقترح أن أرفع تقريرا عن محادثاتنا إلى وزير الخارجية سايروس فانس , ففعلت . وكانت النتيجة اتفاق فانس ووزير خارجية اليمن السيد مطيع على عقد محادثات استطلاعية , فبدا ذلك لي خطوة تقدمية رائعة . وكان المفروض أن تبدأ المحادثات في عدن خلال أسابيع قليلة , ولكن للأسف حصل تسويف في الموضوع .

ولم يكن قد تحدد موعد لهذه المحادثات عندما عدت إلى الشرق الأوسط مع عدد من أعضاء الكونجرس الآخرين في كانون الثاني (يناير) 1978 . وأجريت تعديلا في برنامجي ليتسنى لي القيام بزيارة جانبية لعدن . وقبل أن أترك الفريق اجتمعنا إلى وزير الخارجية فانس الذي حدث أن تقاطعت رحلاته مع رحلاتنا , واجتمعنا إلى ولي العهد السعودي الأمير فهد , وهو شخص ضخم البنية , مثير للإعجاب , يتكلم الإنجليزية بفصاحة , وأصبح فيما بعد عاهل المملكة العربية السعودية .

وأبدا الأمير فهد (يومذاك) تحبيذا لجهودي في عدن وطلب مني أن أبلغ المسؤوليين فيها أن المملكة العربية السعودية مستعدة لاستئناف مدهم بالمساعدات الاقتصادية . بشرى خير:

عندما وصلت إلى عدن كان الوضع فيها قد تحسن , إذ تبادلت اليمن الجنوبية السفراء مع عدوتها اللدود السابقة العربية السعودية - على الرغم من استمرارالمنازعات الإقليمية بينهما . وكانت عدن قد وافقت حينئذ على إقامة علاقات دبلوماسية مع الأردن . وتوقفت الإذاعة المحلية عن بث التعليقات المعادية (للاستعماريين) الأمريكيين والسعوديين . وقد رافقتني هذه المرة زوجتي لوسيل , فخصص لنا قصر الضيافة الذي حللت به في المرة السابقة , إلا أن التغير المهم الوحيد الذي طرأ هو وجود براد مليء بشتى أصناف المأكولات والمشروبات .

واستقبلنا الرئيس علي في القاعة الرحبة إياها مع  شلة من حرس الشرف . ومع أنه تجنب التعليق على عرض المساعدة السعودية . فقد تحدث بحماسة عن ولي العهد فهد .

ومضى يقول : (إننا بانتظار وصول الوفد الأمريكي من الولايات المتحدة قبل نهاية الشهر الحالي ) . عندها ذبت خجلا , إذ كنت أعلم أن الوفد لن يأتي في ذلك الشهر , بل أن سفره قد أرجئ إلى أجل غير محدد . وقبل أيام قلائل أبلغني فانس هذا الخبر السيئ ولكنه لم يوضح السبب , فقلت عسى أن يكون الرئيس العدني قد أشعر بهذا التأخير . فأجاب فانس (سأتأكد من ذلك) ولكن للأسف لم يتحقق شيء من هذا القبيل .
 
وهكذا ظل ربيع علي ينتظر الوفد يوما بعد يوما , إلا أن الوفد لم يحضر . ولم أجرؤ على مصارحته بالتغير , فرحت أستمع وأحاول التظاهر بالتفاؤل . وكنت أدرك أنني لو أبلغته النبأ السيئ لتعزز جانب منتقديه الذين كانوا يعارضون المصالحة مع أمريكا .

وهنا غيرت الموضوع فقلت (يقول بعض خبرائنا الإستراتيجيين أنكم سمحتم للسوفيات بإقامة قاعدة بحرية هنا , فما هو تعليقكم على هذا الكلام؟) . فاعترض بشدة قائلا (هذا غير صحيح . فنحن لا نسمح للسوفيات أو أية دولة أجنبية أخرى بإقامة قاعدة عسكرية في أراضينا . إلا أننا نتعاون مع السوفيات لأنهم يساعدوننا) . وختم الرئيس علي بأن حملني رسالة إلى واشنطن يقول فيها :(أرجوك أن تبلغ تحياتي الحاة للرئيس كارتر ,وتعلمه أننا تواقون للاحتفاظ بعلاقات ودية بين اليمن الديمقراطية والولايات المتحدة . ونحن نعلم أن الرئيس كارتر مهتم بالاحتفاظ بعلاقات ودية مع جميع البلدان , وندرك أن هذه سياسة إيجابية . ونعتقد أنه ينبغي زيادة تدعيم علاقاتنا).

و عند الوداع قدمت إلى الرئيس العدني زهرية من فخار صنعتها ابنتي ديانا خصيصا له . فتقبلها قائلا (إنها جميلة جدا . أرجوك أن تشكر أبنتك . وأنا معجب بهذه الزهرية) ثم مشى معنا نحو الباب ليبدي إعجابه بشيء آخر هو هطول الأمطار , وذلك شيء نادر في عدن (بشرى خير) قال الرئيس علي .

غادرت عدن وأنا أكثر اقتناعا من أي وقت مضى بأن من شأن العلاقات الدبلوماسية مساعدة الولايات المتحدة وأصدقائنا في المنطقة . ومن مصلحة أمريكا والسعودية المشتركة الحد من الوجود السوفيتي في اليمن الجنوبية . فنحن بحاجة إلى بعثة دبلوماسية هناك . ولما عدت إلى واشنطن لم أدع فرصة تفوتني دون الإلحاح على الوزير فانس وموظفي البيت الأبيض بهذه التوصية .

وبعد شهر تمكنت من عرض هذا الطلب على الرئيس جيمي كارتر شخصيا في البيت الأبيض , وقال لي أنه (دهش ومسرور) برسالة الرئيس العدني . وشكرني كارتر وقال , مثل ما سبق أن قاله فانس: (سأهتم بهذا الموضوع) .

وقد صدق كارتر وعده , فبعد خمسة أشهر من آخر لقاء لي مع الرئيس علي , رتب فريق من موظفي وزارة الخارجية زيارة إلى عدن في 26 حزيران (يونيو) 1978 لإجراء (محادثات استطلاعية) والبحث (بطريقة لا التزاميه) في استئناف المفاوضات الدبلوماسية . وكان المفروض أن يستقبل الرئيس علي الفريق يوم وصوله .

ولكن فات الأوان . فقد قرر الصقور الماركسيون في عدن التحرك , إذ أقلقهم سعي الرئيس علي لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية . فاستولى الراديكاليون على طائرات مقاتلة , وأطلقوا منها النار على مقر الرئاسة ثم استولوا على الحكم , كل ذلك في اليوم المقرر لوصول الوفد الأمريكي . واعتقل الرئيس علي ثم أعدم رميا بالرصاص . وأتصل بي السفير الأشطل بالهاتف من نيويورك ليخبرني أن الوفد سيكون موضع ترحيب على الرغم من كل ماحدث , إلا أن الرحلة كانت قد ألغيت .
وبعد أن وصل الوفد إلى صنعاء , عاصمة اليمن الشمالية , في طريقة إلى عدن , عاد أدراجة إلى واشنطن . وقد غمني جدا إعدام سالم ربيع علي , فطلبت من الأشطل تفسيرا لذلك , فأجابني بأنها (مسألة داخلية لا دخل للعالم الخارجي بها) .

ومع ذلك فإن مصير سالم ربيع علي كان يهمني , ولا يزال . وكثيرا ما تساءلت عما إذا كانت نيتي الحسنةمن جهة ورأفته بإد فرنكلين من جهة أخرى بين الأسباب التي أدت إلى سقوطه .
 
ولقد كانت لسلسلة رحلاتي إلى عدن أهمية شخصية تتجاوز جهودي التي لم تثمر في سبيل إعادة العلاقات الدبلوماسية . وبعد سنوات من وجودي في الكونجرس استمعت للمرة الأولى إلى وجهة النظر العربية , ولا سيما بشأن، نكبة الفلسطينيين . فأخذت أقرا عن شؤون الشرق الأوسط وشجونه وأتحدث عنها مع الخبراء لأتفهم المنطقة وتدريجيا برز العرب أمامي كبشر .

وما أن تناقلت الألسن خبراتي في هذا الصدد حتى أصبح مكتبي محجة للمسافرين إلى الشرق الأوسط والقادمين منه من باحثين ورجال أعمال ورجال دين ورسميين . ولم يكن من المألوف لأي من أعضاء الكونغرس أن يزور البلاد العربية وأن يبدي اهتماما بمشكلاتها . فقد رفعت صوتي في الكونجرس مجادلا حول ما اعتبرته وجهة نظر أميركية غير منحازة لإسرائيل أو العرب . قلت أن تقاعسنا عن التحدث مباشرة مع قيادة الفلسطينيين السياسية هو مثل ترددنا في التحدث مع سالم ربيع علي في اليمن الجنوبي , يعرقل بحثنا عن السلام . فالاتصال الدبلوماسي مع الأطراف الأخرى مهما كانت غريبة عنا ومهما كانت صغيرة , مفيد لحكومتنا , وليس من الضروري أن يكون بمثابة مجاراة لها . من هنا كان تساؤلي عن سبب الامتناع عن إجراء محادثات مباشرة مع زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات الذي يعتبر الناطق السياسي باسم الفلسطينيين . فاكتشفت أن من بين الأسباب إذعان هنري كيسنجر الذي ساعدني في طريقي الطويل إلى عدن , لمطالب إسرائيل , ومن ثم موافقته على عدم الاتصال رسميا بمنظمة التحرير الفلسطينية مالم تعترف بحق إسرائيل في الوجود . وهذا مطلب قاس ولاسيما بالنظر إلى إصرار إسرائيل على رفض قيام دولة فلسطينية بجوارها .

وكسرا لهذا الجمود قررت الاتصال بعرفات على أفضل نحو أستطيعه شخصيا . فقابلت الزعيم الفلسطيني للمرة الأولى في كانون الثاني (يناير) 1978 خلال بعثه من الكونغرس إلى الشرق الأوسط التقيت فيها بسالم ربيع علي للمرة الأخيرة . وانضم إلي في تلك المقابلة عدد من زملائي بينهم ليو ريان (كاليفورنيا) الذي قتل في أحداث العنف في جونستاون بغيانا , وهيلين ماينر (نيوجرسي) وكلاهما ديمقراطي , ومعنا أيضا عضو جمهوري إلا أنه خشي أن يخلق ذكر اسمه في الأخبار متاعب له مع الفعاليات الإسرائيلية في منطقته , لذلك طلب مني عدم ذكر حضوره . وقبل المقابلة ساورتني الظنون ذاتها التي طرأت على ذهني قبل سفري إلى عدن للمرة الأولى منذ أربع سنوات , فتوخيت الحذر لأن الاجتماع مع عرفات يتجاوز الخط الأحمر الذي رسمه كيسنجر بناء على طلب إسرائيل .

 

 

 

 

(2)          عالم جورج بوش الخفية

اريك  لوران

(  الدين ـ  التجـارة ـ  الشبكات الـخفية   )

http://www.saaid.net/book/open.php?book=2538&cat=83

دخل جورج دبليو بوش البيت الأبيض بعد انتخابات أثير حولها الكثير من اللغط، ومع ذلك لم يسبق أن حاز رئيس قبله كل هذه السلطة، وأظهر كل هذه الغطرسة. غير أن مساره يعج بالخفايا والأسرار، و«تشوبه» تحالفات مشبوهة وتلاعبات مالية مشينة، على حد تعبير مؤلف كتاب «عالم بوش السري» الذي حاول دخول دهاليز الحكم في أميركا، ورصد دور رجال المال، وصناع الفكر والاصوليين الدينيين في كواليس البيت الأبيض، وتوقع لقارئه ان يصاب بالهلع والقلق لما يجري في مطبخ النظام العالمي الجديد، نظام القطب الواحد الأوحد

وقد عمدنا في عملية الترجمة والاعداد إلى الأسلوب الانتقائي في اختيار المادة المترجمة بهدف تقديم صورة متكاملة للقارئ عن هوية حكام عالم اليوم، منذ مرحلة التشكل الهلامي، فمرحلة الكمون وصولا الى مرحلة العمل المنظم والعلني في سبيل الغاية الأعظم أي «إعادة تشكيل المشهد الجيو سياسي بحيث تكون واشنطن فيه سيد اللعبة».

تأليف: اريك لوران

يعد من أبرز المراسلين في فرنسا، متخصص في شؤون السياسة الخارجية، له عدة مولفات رائجة بينها: «حرب الخليج، الملف السري» شاركه في التأليف بيار سالينجر، و«عاصفة الصحراء» وصدر له أخيرا كتاب «حرب آل بوش».

ترجمة وإعداد: مليكة بوشامة

 

علاقة محرمة» بين صانعي السياسة الدفاعية وشركات الأسلحة في أميركا

بعد ثمانية اشهر من تولي جورج دبليو بوش مهام الرئاسة في نوفمبر 2000، نشرت مجلة نيوزويك في عددها الذي صادف هجمات 11 سبتمبر مقتطفات من كتاب كان قيد الطبع يحمل عنوان: «رئيس بالصدفة؟» وكان السؤال ليبدو استفزازيا لكنه في الواقع سؤال مغلوط تماما. فبوش يمكن وصفه بأي شيء الا انه وصل الى الحكم بمحض الصدفة. واعتبر قسم كبير من الرأي العام الاميركي حصيلة حكمه آنذاك مخيبة للآمال فيما استطاعت قلة فقط من المراقبين تقييم حجم التغيير العميق والانقلاب المقلق اللذين حدثا.
فهناك كثير من الرؤساء في التاريخ الاميركي الذين شددوا على جذورهم الدينية، وطعموا خطبهم بمقاطع من الانجيل، ولكن لم يحدث ابدا قبل وصول جورج دبليو بوش ان اكتسب الدين وزنا كبيرا كما في عهده.
وخلال حملته الانتخابية اكد بوش ان المسيح هو المفكر الفضل لديه لانه «انقذ قلبي» وحالما تسلم السلطة أعلن يوم 20 يناير 2001 يوما وطنيا للصلاة رغم وجود مثيل له في شهر مايو.

ويقول المؤرخ آلان ليشتمان من الجامعة الاميركية في واشنطن: «ان اقحام الدين بهذا الشكل لم يسبق له مثيل».

وفي احدى خطبه الاولى قال على وقع التصفيقات الحارة: «ينبغي ان ينتهي زمن التمييز ضد المؤسسات الدينية لا لشيء الا لانها دينية». وبعيد ذلك، انبرى يدافع باستماتة عن المطالب الاساسية للمنظمات المسيحية المحافظة جدا وضمنها منظمات أصولية تطالب بتوسيع نطاق استفادتها من الاموال العامة لتمويل برامجها للمساعدات الاجتماعية. وهو ما يمثل مصدر اثراء لا يستهان به بالنسبة لهذه الحركات وقادتها بمن فيهم رجال الدين ورؤساء الشركات ومعظمهم يملك ثروات شخصية طائلة.

ويذكر ان جورج دبليو بوش اكد خلال حملته الانتخابية انه يجسد «نموذجا جديدا للمرشح الجمهوري». لكن الواقع كشف عكس ذلك.
«فالتحالف الجديد» الذي كان يدعمه تنكر تماما للقيم والقناعات التقليدية للحزب الجمهوري او على الاقل تلك التي دافع عنها اثنان من الحزب وهما ابراهام لينكولن ودوايت ايزنهاور. إذ اعتبر الأول الحرب الاهلية اختبارا حقيقيا. وظلت الحرب طيلة 140 عاما تقريبا محور الاهداف بالنسبة لهؤلاء المسيحيين الاصوليين الذين يتسمون في الغالب بالعنصرية ومعاداة السامية والمرتبطين ارتباطا وثيقا ببعض المحافظين الجدد اليهود المقربين جدا من حزب الليكود اليميني الحاكم في تل أبيب. اعتبر هؤلاء ان المواجهة اللازمة ينبغي ان تتم على صعيدين اثنين فعلى الصعيد الداخلي، ينبغي التوصل الى تفكيك نظام الرعاية الاجتماعية ودعم الاقليات الذي وضع قبل عدة عقود الى جانب فرض القيم الدينية الاكثر محافظة على المجتمع الأميركي برمته.
وكانت مؤسسة «هيريتيج»، معقل هذه الاستراتيجية، تتحدث عن ثورة اميركية ثانية لـ«الاستقلال الثقافي» ترمي الى نسف المجتمع متعدد الثقافات السائد في الولايات المتحدة وتقويضه.

.. لامنافس لأميركا

اما على الصعيد الخارجي فكان الهدف يرمي الى تسخير الجبروت الاميركي، وخاصة القوة العسكرية لاعادة تركيب المشهد الجيوسياسي. وقد قالها الصقور المتحلقون اليوم حول جورج دبليو بوش صراحة «ينبغي الا نألو جهدا في منع اي بلد او مجموعة اقليمية من التمكن يوما ما من منافسة اميركا».
وفي خطاب القاه ايزنهاور قبيل مغادرته السلطة في يناير 1961 وترك صداه الى اليوم، تحدث الرئيس عن وجود تحالف عسكري صناعي يمثل خطرا جسيما على الديموقراطية الاميركية وكانت تلك القوة العظيمة المتمثلة في البنتاغون من جهة وشركات الاسلحة من جهة أخرى تشغل بال القائد العسكري السابق.

وظل نفوذ هذا اللوبي وما يمثله من خطر موضوعا يتردد على الالسن طيلة العقود التي تلت. ونستعير كلام لينين، الذي قال قبل وفاته بقليل عام 1924 ان «الشركات متعددة الجنسيات بسطت هيمنتها على الارض» لنقول ان التحالف العسكري الصناعي قد بلغ اوجه حين هيمن على ادارة بوش. فواضعو السياسة الدفاعية ومنفذوها الذين يرسمون ايضا الملامح الجديدة للسياسة الخارجية الاميركية، يقيمون علاقات «محرمة» حسب تعبير احد المراقبين، ولكنها مثمرة مع شركات الاسلحة، والشركات الكبرى.

سيكولوجية

التقى الصحافي بوب وودوارد الرئىس الاميركي في اغسطس 2002 بمزرعته في كراوفورد. وقد كتب يقول: «خلال المقابلة، جاء الرئىس الاميركي على ذكر فطرته أو «ردود فعله الغزيرية» حوالي 12 مرة الى ان قال: «انا لست من النوع الذي يعمل بما جاء في الكتب بل بما تمليه علي غريزتي».. ومن الواضح ان غريزته هي بمثابة دينه الثاني.
صحيح ان بوش لا يقرأ. وقد ظلت السيرة الذاتية لسام هيوستن، احد مؤسسي تكساس الذي يحلو له ان يتماهى معه، هو الكتاب الذي يتصفحه قبل الخلود الى النوم طيلة شهور عديدة، غير ان ثمة كتابا وحيدا حرص على قراءته سطرا سطرا، وبتركيز شديد، واحدث فيه تغييرات جذرية على مستوى الشخصية والنظرة الى العالم، انه كتاب الانجيل الذي قرأه وهو يشارف على الاربعين من العمر.

تزوج بوش عام 1977 وانضم الى الكنيسة البروتستانتية الاصلاحية التي كانت زوجته عضوا فيها. وعرف عنه ادمانه الكحول حتى ضاقت به زوجته لورا ذرعا وفي عام 1985 اصيب بوش وهو في عمر 39 عاما بحالة احباط شديد مع توالي النكبات والاخفاقات على الصعيد المهني.

ويروي هاوارد فينمان في تحقيق نشرته نيوزويك تحت عنوان: «بوش والرب» كيف تعافى الرئيس الحالي من هذه الحالة بفضل احد اعز اصدقائه بوب ايفانز، الذي يشغل منصب وزير التجارة حاليا. كان ايفانز يمر بدوره بفترة عصيبة على الصعيد المهني والشخصي وكان قد التحق بحلقة دراسية للانجيل وهي عبارة عن برنامج لدراسة احد كتب العهد الجديد دراسة معمقة على مدى عام كامل.

واقنع ايفانز جورج دبليو بوش بالانضمام الىه في الحلقة الدراسية. فتعمق الاثنان في انجيل لوقا طيلة عامين، ودرسا نسخة القديس بول حول طريق دمشق وانشاء الكنيسة المسيحية «وقد كان هذا البرنامج بمثابة انعطافة حقيقية في حياة رئيس المستقبل على صعد عدة، اذ اصبح لديه محور اهتمام فكري للمرة الأولى». ويعتبر بوش بهذا المعنى نتاج «حزام الانجيل» وهو المصطلح الذي يطلق على الولايات المحافظة والمتدينة في جنوب الولايات المتحدة حيث يكن المؤمنون احتراماً شديدا لنصوص الانجيل.

وجد بوش الذي يحب ممارسة المشي والماراثون في دراسة الانجيل بديلا فكريا وتربية روحية كان في أمس الحاجة اليهما لمواجهة التحدي الأساسي في حياته آنذاك، اي ترك تعاطي الكحول.

وقد توقف بوش عن ذلك في صيف 1986 بعدما احتفل هو وصديقه ايفانز ببلوغهما الأربعين.

ويذكر انه قال في احدى المناسبات بعد انتخابه ببضعه شهور: «لقد كان الإيمان خير سند لي في أوقات النجاح والاخفاق. ولولاه لكنت شخصا مختلفا ولولاه لما كنت هنا اليوم، ربما».

وبعد «مولده الجديد» (اشارة الى التجربة الروحية لاعادة اكتشاف الله التي يزعم كثير من الاميركيين «1 من 4» انهم عاشوها) في عام 1986، اهتدى بوش بعد عام من ذلك الى السبيل الذي يكفل له المزج بشكل فعال بين القناعات الدينية والطموحات السياسية. ففي عام 1987، ذهب الى واشنطن والتحق بالفريق الذي كان يحضر الانتخابات الرئاسية لصالح والده. وتم تكليفه بتنسيق العلاقات مع مجموع الحركات والمنظمات التابعة لليمين المتدين وهو ما لم يكن وليد الصدفة.

ويقول احد مساعديه، وهو دوغلاس ويد متذكرا: «أما أبوه فلم يكن يشعر بالارتياح فعليا لهؤلاء الناس في حين كان الابن يعرف تماما كيف تنبغي مخاطبتهم والتعامل معهم». وتكررت مبادرات جورج دبليو بوش، طيلة الحملة لمحاولة اقحام اكبر عدد من النصوص الانجيلية على سبيل الاستشهاد في الخطب الانتخابية التي ألقاها والده.

وحين قرر في عام 1993 ترشيح نفسه لمنصب حاكم تكساس اثار ارتياب والدته التي كانت ترى شقيقة الأصغر جيب مؤهلا للمنصب في فلوريدا اكثر منه. وكان جورج دبليو بوش الذي هزم أبوه امام بيل كلينتون قبل عام من ذلك، قد انكب على تحليل الأسباب الانتخابية الكامنة وراء هذه الهزيمة بمساعدة «ملهمه السياسي» كارل روف الذي يعمل ضمن فريقه في البيت الأبيض.

واتضح ان اسباب هزيمة بوش كان مردها في جزء كبير منها الى نقص اصوات المحافظين المتدينين الذين يشكلون حسب تعبير «روف» «قوة لا غنى عنها لأنها تمثل حوالي 18 مليون ناخب. وهؤلاء الناس لا يمكن التحايل عليهم فهم يريدون ان تكون مثلهم».

ثم ان بوش ارتكب في نظر المسيحيين المتطرفين خطأ.

لا يغتفر حين مارس ضغوطات على اسرائيل وأجبر رئيس الوزراء آنذاك اسحق شامير على الجلوس الى طاولة المفاوضات اثناء مؤتمر مدريد، ويذكر ان هؤلاء الناشطين المسيحيين كانوا يتبنون المواقف الاكثر تشددا لدى اليمين الاسرائيلي، وهو تحالف غاية في الغرابة والغموض.

من يدخل الجنة

في عام 1993 وخلال الفترة التي كان جورج دبليو بوش يتهيأ فيها لدخول السباق الانتخابي لتبوؤ منصب حاكم ادلى بمقابلة صحيفة لصحافي يهودي وكان من ضمن ما قاله فيها: «وحدهم المؤمنون بالمسيح سيدخلون الجنة».

وهي جملة أثارت حفيظة عدة كتاب اعمدة في الصحافة المحلية والاقليمية في حين ابتهج لها كارل روف لان هذا الكلام الطائش الصادر عن مرشحه يعتبر الوسيلة الاضمن لاستمالة قلوب واصوات الناخبين المسيحيين المحافظين وخاصة في المناطق القروية من ولاية تكساس.

وقد استخدم بوش طيلة حملته الانتخابية القساوسة كوسطاء او مفاتيح انتخابية، وفور اعلان فوزه صرح قائلا: «لم أكن لاصبح حاكما لو لم اكن مؤمناً بمخطط الهي كبديل لكل المخططات الانسانية».

ويتحدث الصحافيان لودوبوز ومولي ايفنس اللذان تقصيا كثيرا حول الرئيس الحالي عن «ايمان قدري وغريب للغاية» ويمكن الجزم ان بوش موقن انه مكلف بمهمة الهية.

رئيس

بدأت فكرة الترشح للانتخابات الرئاسية تراود جورج دبليو بوش مع مطلع عام 1999، ففاتح والدته في الامر اولا، وبعد ذلك بفترة قصيرة ذهبا معا الى الكنيسة لحضور القداس، وكان موضوع العظة في ذلك اليوم يتلخص في شكوك موسى في مؤهلاته كزعيم، فاسرت بربارة لابنها بالقول: «انك تشبه شخصية موسى» وفور عودتهما الى البيت استشارا القس بيل غراهام باعتباره صديقاً شخصياً لبوش الاب، كما يعد اشهر مبشر ديني في الولايات المتحدة وكان المستشار الروحي للعديد من الرؤساء الاميركيين وكاتم اسرارهم.

وطمأن غراهام بوش جونيور بشأن مؤهلاته، وما هي الا بضعة اسابيع حتى جمع حاكم تكساس في مقر سكنه ابرز القساوسة والقادة في تيار اليمين المسيحي.

أجواء غريبة

محرر خطابات بوش ديفيد فروم: «جاء بوش يتحدث عن ثقافة مختلفة تماما عن ثقافة رونالد ريغان الفرداني النزعة. ولفهم إدارة بوش لابد من فهم مدى سيادة هذه العقيدة». ويروي أن الرئيس الأميركي بادره بالقول ذات صباح فور وصوله للعمل إلى جانبه: «لم أرك في جلسة قراءة الانجيل». إن ثمة اجواء غريبة تسود البيت الابيض الاميركي فزوجة الامين العام للرئاسة، اندروكارد مبشرة بالعقيدة الميثودية methodiste ووالد كونداليسا رايس يعمل مبشرا في الاباما، ومايكل جيرسون المسؤول عن الفريق الذي يتولى كتابة الخطب الرئاسية خريج كلية «ويتون في ايلنوا» التي تلقب بهارفارد الانجيلية»، وهو يؤمن بنبؤات اليمين المسيحي المتطرف الذي يتحدث عن ارما جدون وشيكة، وعودة المسيح الدجال وظهور مخلص جديد من بعده.

ويشارك كل موظفي البيت الابيض في مجموعات لدراسة الانجيل بشكل يومي، ويبدو مقر الرئاسة اليوم اشبه بقاعة صلاة واسعة يقوم العاملون فيها بادارة شؤون اميركا والعالم بعد جلسة قراءة جماعية لـ «العهد القديم» أو «الجديد».

السفير

في عام 1973، كان جورج بوش سفيرا في الامم المتحدة في عهد ريتشارد نيكسون ولم يكن احد ليتنبأ له بمستقبل سياسي واعد. وكان يدافع عن السياسة الاميركية في فيتنام امام اعضاء مجلس الامن فيما كان ابنه البكر جورج دبليو ينهي خدمته العسكرية في صفوف الحرس الوطني في تكساس كأضمن طريقة لتفادي ارساله الى الاوحال وحقول الارز في فيتنام. ولا شك انه كان يجهل بل لعله لم يكن يعلم ابدا ان ذلك العام كان بداية هجمة غلاة المحافظين الذين سيبلغ انتصارهم المطلق اوجه بانتخابه هو بعد ثلاثة عقود من ذلك التاريخ.

هيريتيج ضمت «جند الصدام في الثورة المحافظة»
ممول اليمين الأميركي الأول ملياردير معقد وخجول حتى المرض
بدأ كل شيء في عام 1971 حين كان التنديد بحرب فيتنام يتفاقم دون هوادة، وبدا ريتشارد نيكسون وكأنه في مواجهة مباشرة مع قطاع كامل من الشعب الاميركي.

وحدثت آخر صدمة عام 1971 تحديدا مع نشر «ملفات تخص البنتاغون» تكشف مجموعة من الاسرار حول خفايا الحرب الدائرة في جنوب شرق آسيا. وكان مسؤول رفيع في البنتاغون يدعى دانيال إيلسبيرغ قد سرقها ونشرتها صحيفة نيويورك تايمز رغم الضغوط الشديدة التي مارسها عليها البيت الابيض. وكان وقعها شديدا. ووقع الرئىس الاميركي في حيص بيص، حين علم ان نسخة من الملف الضخم قد وصلت الى سفارة الاتحاد السوفيتي في واشنطن.

وفي العام نفسه قامت الغرفة الوطنية للتجارة بنشر مذكرة موجهة للزعماء في عالم الاعمال كتبها لويس باول الذي اصبح فيما بعد قاضيا في المحكمة العليا، وترك هذا النص ابلغ الاثر في العقول والنفوس، وورد فيه ان النظام الاقتصادي الحر يتعرض لهجمات عنيفة من قبل الشيوعيين واليساريين وغيرهم من الثوريين الذين يهدفون الى تدميره تماما اقتصاديا وسياسيا، وذهب باول الى ان من يشنون هذه الهجمات يؤيدهم «الطلاب في الاحياء الجامعية واساتذة الجامعات، وعالم الاعلام، والمثقفون والصحف الادبية والفنانون، والعلماء ومحترفو السياسية».

اعلان الحرب

ولم يقف تأثير مذكرة باول عند هذا الحد، بل انها ابهرت المسؤولين المحافظين كونها ترسم خطوط الاستراتيجية الواجب تبنيها ليس فقط لاستعادة ما فقد من سلطة ونفوذ بل ايضا لبسط هيمنة دائمة على السياسة والمجتمع الاميركي، اذ تدعو الى تصدي عالم الاعمال لمحاربة هذا الخطر من اليسار واليسار المتطرف وحله عبر تسخير كل حنكة لإنشاء منظمات يتم التخطيط لاهدافها وعملية تطبيقها بعناية، على ان يمتد عملها المترابط لفترة لامتناهية من السنوات تحظى بوسائل تمويل ضخمة تحشد لها جهود متضافرة «فالتأثير في السلطة السياسية يقتضي حسب باول مبادرات موحدة ومنسقة ومنظمات حاضرة على الصعيد الوطني» كما اقترح ان تستعين هذه المنظمات بباحثين، وان تصدر صحفا، وتؤلف كتبا ومقالات ورسائل نقدية وتنخرط في جهود طويلة المدى لتصحيح الخلل النابع من الاحياء الجامعية وتحقيق التوازن، واوصى في نهاية المطاف «بممارسة رقابة دائمة على برامج التلفزيون والكتب المنشورة» معتبرا انه لابد من توخي الحذر نفسه ازاء جهاز القضاء. ويمثل كلام لويس باول اعلان حرب حقيقية ضد الثقافة المضادة التي كانت تتصدر الساحة العامة والاعلامية، وتتزعم كل الافكار والتيارات الفكرية المعتدلة.

وقد افتتن رجال فاحشو الثراء من اقصى التيار المحافظ بهذا الكلام، وكانوا وهم المتشربون «بثقافة حربية» حقيقية على استعداد للدخول في صراع ضد هذه الاميركا التي يبغضونها، اذ «نخرها» في نظرهم «الانحطاط والافكار المنحطة» ولا تزال الذهنية نفسها تسيطر على اقصى اليمين الاميركي في عهد الرئيس جورج دبليو بوش رغم مرور 30 عاما.

أميركا تغيرت

وربما كان هؤلاء غلاة المحافظين يحلمون في مطلع السبعينات بنزاع مسلح قادر على إحياء أميركا من جديد لو لم تكن رحى الحرب دائرة في فيتنام. وقد اغرق هذا الاخفاق السياسي والعسكري البلاد في واحدة من اخطر الازمات الاخلاقية في تاريخها، فقرروا نقل المواجهة الى الداخل وتحقيق النصر عبر ممارسة تأثيرهم على العقليات واعادة تشكيلها. فتصرفوا بحزم ومنهجية ودأب. وقد قال رئيس معهد «أميركان انتربرايز»، وهو من ابرز المؤسسات التابعة للمحافظين، كريستوفر دي موث: «ان الامور تستغرق وقتا، وعلينا ان ننتظر مرور عشر سنوات على الاقل قبل ان تخرج الافكار الراديكالية الجديدة الى النور». غير ان هذه «المسيرة الطويلة» استغرقت في الواقع 30 عاما. ففي عام 2001 فقط تسنى لأقصى اليمين تذوق طعم النصر الكبير. وقد كتب ويل هاتون في صحيفة الابزورفر يقول: «ما زال البريطانيون وغيرهم من الاوروبيين لا يفهمون، فالولايات المتحدة تغيرت. اذ تحول مركز الثقل السياسي فيها من جانبيها الليبراليين (الشرق والغرب) الى جهتي الجنوب والغرب المحافظتين اللتين لا ترغبان في اية علاقة مع العالم الخارجي [...]. ويذكر ان المحافظين الاميركيين شنوا منذ الستينات حربا ضد التيار الليبرالي بحماس شبه لينيني وها هم يسيطرون اليوم على الدولة الاميركية، ويرغبون في الاستفادة من هذا النصر».

الأب المالي

في عام 1973، دخل ريتشارد سكيف ميلون الى الحلبة. ومع توالي السنين لقب هذا الرجل الاشقر ذي العينين الزرقاوين والمعروف بتحفظه الشديد «بالأب المالي لليمين الأميركي»، وكان آنذاك في العقد الثالث من عمره.

وهو ابن سارة ميلون، وريثة المصرفي الملياردير اندرو ميلون الذي كان يعتبر في حياته اغنى رجل في الولايات المتحدة الى جانب جون دي روكفيلر. وحين توفيت والدة ريتشارد سكيف ميلون عام 1965 تركت له ثروة قدرت قيمتها بأكثر من مليار دولار الى ثلاث مؤسسات كبرى.

كان ريتشارد سكيف شخصية معقدة ومتكتمة يعيش في عزلة. وكانت لديه املاك في مختلف انحاء الولايات المتحدة. وكان يرفض المقابلات الصحفية وكل علاقة مع الصحافة. وهناك عدد كبير ممن استفادوا من عطاياه لم يلتقوه ابدا. وكان خجولا لحد المرض مشغولا بالنفوذ اكثر من الشهرة وقد قام بسحب اسمه من كتاب .whoصs who ويحكي رئيس التحرير السابق لمجلة بيتسبيرغر التي كان يمولها سكيف أنه سأله أثناء اجتماع عمل قائلا: «هل سلطتك نابعة من سلطة المال؟»، فصمت سكيف لثلاث أو أربع ثوان وهو يحدق فيه بنظرة قاسية قبل أن يجيبه: «أنا لا أضيع وقتي في التفكير في هذا الأمر لكنني كلما تقدم بي العمر زاد تأثيري وبالتالي زادت مكاسبي». وقد ظل العمل الخيري المعفى من الضرائب احدى ركائز عالم الاقتصاد والمال الاميركي وقدرته على التأثير في السلطة السياسية زمنا طويلا. (...) وقد عرف ريتشارد سكيف ميلون دائما باهتمامه بالسياسة وقضايا غلاة المحافظين. ففي عام 1963، قام بدعم باري غولدووتر التي كانت تمثل الجناح اليميني في الحزب الجمهوري للرئاسة. ومول حملتها ووضع طائرة خاصة في خدمتها لكنها منيت بفشل ذريع امام ليندون جونسون وهو ما راعه. وقد نأى بنفسه عن السياسة الاحترافية بعد ذلك وان تبرع بمليون دولار لحملة ريتشارد نيكسون الانتخابية في عام 1972، على شكل 344 شيكا تفاديا للضرائب.

واعجابا من سكيف ميلون بمذكرة لويس باول قام «بتعميد» مؤسسة «هيرتيج» في عام 1973 حيث انشئت لتصبح السلاح الكفيل في نظره بتحقيق «النصر في معركة الافكار» وقدم لها 900 الف دولار. وبعد مرور ثلاث سنوات قدم لها 420 الف دولار اي ما يعادل 42 في المائة من الميزانية الاجمالية للمؤسسة التي كانت تقدر آنذاك بمليون دولار. وقد علق رئيسها الحالي ايدوين ج. فولنر على ذلك بالقول: «كان المبلغ دعما اساسيا جاء في وقت حرج من حياة المؤسسة».

وكان ميلون يشرف بشكل مباشر على ثلاث مؤسسات هي مؤسسة سارة (قدرت موجوداتها في عام 1997 بـ 302 مليون دولار ومؤسسة آليغاني (39 مليون دولار) ومؤسسة قرطاج (24 مليون دولار) وكان والداه ديفيد وكيري يترأسان مؤسسة رابعة هي مؤسسة عائلة سكيف Scaife Family Foundation التي بلغت موجوداتها 170 مليون دولار، وتتقيد بالاهداف التي رسمها والدهما. وقد بلغ مجموع ما انفقه ميلون في ظرف 30 عاما، بين عامي 1967 و1997 في تأسيس ودعم عدة معاهد ومنظمات ذات نهج محافظ متطرف حوالي 600 مليون دولار. ومن بينها معهد هوفر بجامعة ستانفورد الذي كانت كونداليسا رايس مسؤولة عنه، ومعهد اميركان انتربرايز، ومن اعمدته ريتشارد بيرل ولين تشيني، زوجة نائب الرئيس الاميركي، ومعهد كاتو بالاضافة الى مجموعة من المؤسسات الناشطة في المجالات الاجتماعية والقضائية وكذا في المجال الاستخباراتي.

عبقرية هيريتيج

ظلت مؤسسة هييرتيج على مر السنين درة اعمال سكيف اذ تضم حسب تعبير احد نواب الرئيس بورتون يال بينز «جند الصدام في الثورة المحافظة» وهم رجال يملكون رؤية ايديولوجية للمجتمع الاميركي. فكل خطوة تقدمية اصبحت تعتبر في نظرهم منذ «الصفقة الجديدة» في عهد فرانكلين روزفلت بمثابة «هجمة ضد المبادئ التأسيسية لأميركا كما وضعت في القرن 18».

وقد رصد نصف ميزانية «هيريتيج» على مر السنين لترويج الافكار. فانبرى المتعاونون معها لتحرير المقالات واعداد الدراسات في كل حقول السياسة الاميركية وتحدثوا عن الحظر الشيوعي. وتقليص البرامج الاجتماعية وتعزيز الميزانية العسكرية، ومكانة الدين ومكافحة النقابات وكان اي عضو في الكونغرس، يجد على مكتبه عشية جلسة نقاش او تصويت على قانون هام تقريرا من المؤسسة يتناول المشروع المرتقب بالتحليل ويقترح الحلول. وكانت هيرتيج تقدم هذه الدراسات الى مجلس الشيوخ والنواب ووسائل الاعلام وعامة الناس.

صناعة متنامية

يرى نائب رئيس وكالة اسوشيتد برس، و«الترمايرز» ان حركة المحافظين كانت تتحول آنذاك الى صناعة متنامية. ونظرا لتواجدها في المكان والوقت المناسبين احدثت تغييرا في الحياة السياسية والنقاشات داخل مبنى الكابيتول.

أما مدير صحيفة ديترويت نيوز فيقول: «تتمثل أهم جوانب نجاحاتهم الباهرة في تمكينك من الاطلاع على وجهة نظرهم في صباح اليوم التالي في بريدك الخاص. كان المرء يجد كل يوم نشرة صادرة عن المؤسسة، وكانت قراءتها كفيلة بجعله ينظر الى الأمور من زاوية كان غافلاً عنها».

كان ميلون يعيش هاجساً مصحوباً بيقين ان الجمهورية الأميركية في خطر قاتل، وان ثمة مؤامرات تحاك لتقويضها. وقد أسر لأحد الأشخاص انه يعتبر جون ادغار هوفر، مدير اف. بي. اي بطلاً ضمن ابطال آخرين. ويذكر ان ميلون لا يقرأ إلا لماما، وهو أمر غريب على رجل يؤمن بقوة الأفكار. لكن ثمة كتاب واحد أثر في نفسه كثيراً، وهو كتاب The Spike لمؤلفه الصحفي ارتو دي بورشغريف الذي أصبح فيما بعد صديقاً له ومديراً لصحيفة واشنطن تايمز التي تحظى بتمويل طائفة المون. ويحكي الكتاب قصة صحافي شاب يكتشف انه يستخدم كبيدق في مؤامرة كبيرة دبرها الاتحاد السوفيتي للسيطرة على العالم.

هيريتيج وأخواتها

لم يكن وريث ميلون الممول الوحيد الذي قام بدعم ولادة مؤسسة هيرتيج. فهناك ويليام كورز، قطب البيرة الذي تبرع بـ 250 الف دولار. وترتبط مؤسسة كورز التي تأسست عام 1877 على يد ادولف كورز بعلاقات وثيقة مع منظمات تابعة للتيار المحافظ المتطرف وبقادة اليمين المسيحي على نحو خاص.

كما استفادت مؤسسة الكونغرس الحر Free Congress Foundation من عطايا كورز. وهناك ايضاً مؤسسة اولين Olin Foundation وهي مؤسسة تعتمد في عائداتها على شركة عائلية أثرت في صناعة الذخيرة والمواد الكيماوية، لم تبخل بالدعم المالي على مؤسسة هيريتيج فضلاً عن اميركان انتربرايز ومعهد هوفر. كما مولت جامعيين محافظين مثل آلان بلوم الذي تلقى 6.3 ملايين دولار لادارة مركز جون م. أولين بجامعة شيكاغو لدراسة نظرية الديموقراطية وتطبيقها.

وبلوم هذا كان الأستاذ والمعلم الفكري «لبول وولفويتز» نائب وزير الدفاع الحالي، والمنظر الحقيقي للصقور في البيت الأبيض.

أما ايرفين كريستول الذي كان احد الرواد الكبار في تيار اليمين المحافظ في عهد ريغان، فقد تلقى اكثر من 380 الف دولار بين عامي 1992 و1994 بصفته باحثاً في معهد اميركان انتربرايز. ويعتبر ابنه ويليام كريستول اليوم من أهم المفكرين المؤثرين في الادارة الاميركية الحالية، ويتولى ايضاً ادارة مجلة المحافظين الجدد وويكلي ستاندرد التي يمولها قطب الصحافة روبرت مردوخ المقرب من عائلة بوش. وتنتهي قائمة الشركات الداعمة لتيار المحافظين المتطرف بمؤسسة ليند وهاري برادلي Lynde & Harry Bradley Foundation التي تتجاوز قيمة موجوداتها 420 مليون دولار. وقد أصبح هاري بفعل مواقفه اليمينية المتطرفة عضواً ناشطاً وممولاً لمنظمة Jhon Birch Society. وهي منظمة يمينية متطرفة معادية للشيوعية تدافع عن الطروحات القائلة بتفوق الرجل الأبيض. كما تمول موسسة برادلي على نحو خاص قناة NET National Empowerment Television التي تعتبر أخطر سلاح اعلامي يملكه اليمين المتطرف إذ تنشر ايديولوجيا مسيحية متطرفة بين المشتركين الذين يقدر عددهم بالملايين.

اطلعنا في الحلقتين الأولى والثانية على مدى تمكن النزعة الدينية من نفس الرئيس جورج دبليو بوش، وميله الى التودد للمؤسسات الدينية، وما يدين به من فضل للدين باعتباره كان عامل تغيير أساسي في حياته. ثم تعرفنا إلى الارهاصات الأولى التي مهدت لظهور فكر المحافظين الجدد، وأصحاب الثروات الطائلة الذين سخروا ملايين الدولارات لتغذية هذاالفكر ونشره عبر أشخاص ومؤسسات أنشئت لهذا الغرض.

البرنامج السياسي لريغن جسد «ثورة المحافظين» وتحول إلى إنجيل لكل من يصل إلى السلطة

انكمش مفكرو اليسار فاكتسح فوكوياما وهانتينغتون وأمثالهما
كان وصول رونالد ريغان الِى السلطة في عام 1980 بمنزلة اول انتصار ساحق تحققه حركة المحافظين المتطرفين ومؤسسة هيرتيج التي قدمت للادارة الجديدة الرجال والافكار، بل انها وضعت في العام نفسه الذي شهد الانتخابات الرئاسية «مذكرة للقيادة» تقع في 3 آلاف صفحة موزعة على 20 جزءا تتضمن تفاصيل البرنامج السياسي لريغان الذي وصف لاحقا «بثورة المحافظين».

ويقول احد المشاركين في وضع هذا النص متذكرا انها اصبحت «مرجعا حقيقيا وبمنزلة انجيل لكل شخص يصل الى السلطة».

في عام 2000، كان اليسار الاميركي قد خسر تماما معركة الافكار «فابتعد عدد كبير من الكفاءات الفكرية اليسارية الواعدة في صفوف اليساريين عن العالم الواقعي، ليعيش في عزلة داخل الاروقة الجامعية الضيقة، في حين حقق اليمين النجاح تلو الآخر في المكتبات اذ الف كتّاب مثل الان بلون، وجود وانيسكي، وتشارلز موراي، ومارفن اوفالسكي ودينش دسوزا، وفرانسيس فوكوياما، وصاموئيل هانتينغتون كتبا خلال العقدين الاخيرين غيرت من الخطاب السياسي والثقافي حول مواضيع مركزية بالنسبة لكل ما يتعلق «برؤيتنا» لتنظيم المجتمع، غير ان اهم ما في الامر ان هؤلاء الفوا كتبا موجهة لجمهور واسع ويتلقون دعما ماليا من المنظمات المحافظة التي ادركت الاهمية الكبرى لمعركة الافكار» حسب ما كتبه إيريك الترمان في صحيفة the Nation. وقد عدت مؤسسة برادلي في نهاية عام 1999 اكثر من 400 كتاب قامت بتمويلها في غضون 14 عاما، ويقول مدير المؤسسة مايكل جويس مؤكدا «لدينا قناعة بأن عددا لا بأس به من وسائل الاعلام الاخرى، تتأثر بالكتب، فإذا كنت تريد التأثير على عالم الافكار، فإن الكتب تمثل احد القطاعات التي يتعين عليك ان تستثمر اموالك فيها».

معين جورج بوش

اصبح معهد اميركان انتربرايز «المعين» الذي ينهل منه جورج دبليو بوش لتشكيل ادارته، ومن اعمدته ريتشارد بيرل، احد رواد الصقور وايرفينغ كريستول، مفكر المحافظين الجدد الاساسي ووالد ويليام كريستول، مدير مجلة المحافظين ويكلي ستاندرد، وليسن تشيني، زوجة نائب الرئيس، كما يعد داينش دسوزا احد «نجوم» معهد اميركان انتربرايز».

وتعد كتب تشارلز موراي وداينش دسوزامن بين الكتب المفضلة لدى جورج دبليو بوش غير انه اعجب اكثر بطروحات مارفن اوفالسكي، صاحب كتاب «مأساة الرأفة الاميركية» الذي يدعو فيه الى تفكيك نظام الرعاية الاجتماعية الاميركي وقد اصبح مستشاره خلال حملته الانتخابية وابتكر مفهوم «الرأفة المحافظة» الذي استخدمه الرئىس. وقام اوفالسكي بتأسيس كنيسة في مدينة اوستين في تكساس، تعلم من بين اشياء اخرى ان المرأة ليس لها مكان ولا دور تضطلع به في مركز الزعامة.

الإعلام من بعد النشر للاكتساح

في عام 1981، عزمت ادارة ريغان - بوش التي كانت تدير شؤون الحكم في واشنطن على انشاء صحيفة يومية محافظة في العاصمة الفدرالية، تستطيع ترجمة رؤاها وسياستها وتنافس في الوقت ذاته صحيفة واشنطن بوست، ذات الحضور الطاغي، وكانت هذه القلعة الليبرالية التي يتسم خطابها غالبا بالصرامة والتشدد الصحفي، بمثابة شوكة في حلق اليمين الاميركي.

وطرح مشروع الصحيفة على عدة شخصيات ادبية وفنية ورفضوه بمن فيهم ريتشارد سكييف ميلون الذي تردد كثيرا قبل ان يعلن رفضه، وكان يتعين على المجنون الذي يقبل بهكذا تحد أن يستعد لتكبد خسائر جسيمة لفترة طويلة. ومع ذلك فإن الرجل الذي اطلق صحيفة الواشنطن تايمز 1982 لم يكن يعرف عنه لا الجنون، ولا التجرد. انه الأب سان ميونغ مون، مؤسس كنيسة التوحيد في الستينات التي يعتبر اتباعها طائفة خطيرة. ومن خلال تصريحاته العديدة نعلم انه هو «المخلص الجديد» بما ان المسيح قصر في مهمته فأخذ هو على عاتقه توحيد الكرة الارضية عبر ضم كل القوى الدينية تحت لوائه.

وفي السبعينات، خضع مون وكنيسته للتحقيق حول ممارساته على يد لجنة من الكونغرس على رأسها النائب الديموقراطي دونالد فريزر.

كان مون قد اصبح مقيما بصفة دائمة في الولايات المتحدة ابتداء من عام 1973 حسب ما تشير اليه تقارير وزارة العدل، فيما اكد المتعاون الرئيسي مع الوزارة، وهو ضابط سابق في جهاز سي.آي.ايه الكوري يدعى بوهاي بارك، انه كان يحمل «البطاقة الخضراء».

وكان غطاء كثيف من السرية يلف طريقة تنظيم امبراطوريته، التي تضم عدة شركات يقدر عددها داخل الولايات المتحدة فقط بـ 12 شركة، وكذا مصادر وقنوات تمويله.

غير ان جهاز السي.آي.ايه كان على علم بكل شيء. وفي الوقت الذي كان مون يخضع فيه للتحقيق من طرف الكونغرس الاميركي كان جورج بوش مديرا لوكالة الاستخبارات. ويذكر ان جهاز سي.آي.ايه تولى تدريب الاجهزة السرية في كوريا الجنوبية التي حملت اسم ك.سي.آي.ايه وعرفت بشدة بأسها تجاه المعارضين الكوريين في الخارج، اذ قامت باختطاف وتصفية كثير منهم.

وكان بوش ومساعدوه الاقرب داخل الجهاز الاستخباراتي يعتبرون كوريا الجنوبية كبلد على «درجة عالية من الحساسية بالنسبة للأمن القومي الاميركي، ومون كمحور للعمليات السرية التي ينفذها جهاز سي.آي.ايه الاميركي بالشراكة مع نظيره الكوري. وقد تدخل رئيس المستقبل شخصيا لدى اعضاء الكونغرس لحضهم على عدم التعمق كثيرا في تحقيقاتهم. وكان له ذلك فأصبح مون ممتنا لجورج بوش طيلة السنوات الاربع والعشرين اللاحقة. وعمل باستمرار على تعبئة امكاناته الهائلة لخدمة الطموحات السياسية لعائلة بوش واغدق كثيرا على بوش الاب ثم الابن لاحقا، ولم يكن ذلك بدافع الشعور بالامتنان تجاه الرجل فقط. فقد استطاع مون بفضل صحيفة واشنطن تايمز ان ينفذ الى قلب السلطة السياسية الاميركية. وكان قد انفق اكثر من 100 مليون دولار لاطلاق صحيفة ستصبح لاحقاً مفضلة لدى المؤسسة المحافظة في واشنطن لكنها لم تتمكن من منافسة غريمتها الواشنطن بوست ابدا.

وقد اضطره هذا الفشل التجاري الى ضخ عشرات ملايين الدولارات سنويا لضمان استمرارها وهي سياسة دأب عليها منذ مطلع السبعينات وفي عام 1978 قامت لجنة تحقيق من الكونغرس بالتحقيق في فضيحة «كوريا غيت» وكان ذلك بمثابة استراتيجية من قبل جهاز سي اي ايه الكوري لشراء النفوذ لدى الحكومة والمسؤولين الاميركيين. وورد اسم مون مرات عدة باعتباره متورطاً في العملية وهي تهمة نفاها عن نفسه.

غير ان مون قال لبعض المقربين بشكل واضح لا يحتمل اللبس: «ينبغي ان يكون جزء من استراتيجيتنا في الولايات المتحدة اكتساب صداقات داخل جهازي الاف بي اي و سي. آي. ايه وقوات الشرطة، بالاضافة الى الأوساط العسكرية والتجارية». وهذا ما حدث بالفعل، فقد كان جهاز سي. آي. ايه يزود الواشنطن تايمز بانتظام بمعلومات غير منشورة، مقابل قيام الصحيفة بشن هجمات مضادة عنيفة، كلما كشفت معلومات محرجة حول موضوع حساس. فحين دخل جورج بوش حلبة السباق للفوز بالرئاسة وقف مون وواشنطن تايمز في صفه بكل حزم، وزعم المرشح الجمهوري انه لا يعلم شيئا عن القضايا والفضائح التي اثيرت في عهد ريغن مع انه شغل منصب نائب الرئيس طيلة ثماني سنوات، وكان المدعي الخاص لورنس وولش الذي كان يتولى التحقيق في قضية ايران غيت، على وشك النيل من جورج بوش، فهاجمته الصحيفة بشدة، بل ان الهجوم طاول الخصم الديموقراطي لبوش لاحقا، مايكل دوكاكيس، حاكم ولاية ماساشوسيتس سابقا، اذ روجت الصحيفة اشاعات زائفة حول صحته العقلية ساهمت في نزع المصداقية عن دوكاكيس لدى الرأي العام، وخلخلة حملته الانتخابية.

وعندما خاض الرئيس الاميركي معركته الانتخابية للمرة الثانية عام 1992، دأبت الواشنطن تايمز على ترديد الاشاعات التي تتهم خصمه الديموقراطي بيل كلينتون باحتمال تجنيده من قبل جهاز الكي. جي. بي لدى زيارته الى موسكو كطالب حاصل على منحة رودس الدراسية.

وكانت معاداة الشيوعية تبدو في الظاهر كلحمة تجمع بين مون والادارات الجمهورية، لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدا من ذلك، فمون الذي يلقبه اتباعه بـ«أبونا» كان يمول بسخاء الطاقم السياسي في كوريا الجنوبية، خاصة كيم جونغ بيل، الذي سيتولى لاحقا منصب رئيس الوزراء عامي 1998 و1999، وكيم داي جونغ الذي انتخب رئيسا عام 1998 وعرف بتأييده للتفاوض مع النظام الشيوعي في كوريا الشمالية.
حصاد الشيطان
ومع حلول عام 1991، وفي الوقت الذي كانت بيويانغ لا تزال تخضع فيه للحصار التجاري المفروض عليها من قبل أميركا، وكان بوش الأب يشغل المكتب البيضاوي، قام مون بإرسال عدة ملايين من الدولارات الى دكتاتور كوريا الشمالية كيم ايل سونغ كهدية عيد ميلاده، والتقى الرجلان عدة مرات وحصلت الواشنطن تايمز الأكثر معاداة للشيوعية على شرف اجراء أول مقابلة صحفية مع آخر زعيم ستاليني فوق الكرة الأرضية، وتشير المعلومات التي حصل عليها الصحافي ريتشارد بييري، ومصدرها تقارير اعدها جهاز دي. آي. ايه (الأجهزة السرية العسكرية الأميركية) الى ان عدة لقاءات جرت بين زعيم الطائفة والزعيم الشيوعي في الفترة الممتدة بين 30 نوفمبر و8 ديسمبر 1991، ومهدت لإرساء تعاون تجاري، ونص الاتفاق على قيام مون بتشييد مجمع فندقي في بيونغ يانغ، وتنمية السياحة في منطقة كيم كانغ سان والاستثمار في منطقة كومان غانغ ريفر، وبناء محطة لتوليد الكهرباء في وونسان، وبلغت قيمة الاستثمارات حسب جهاز دي. آي. ايه 5.3 مليارات دولار.

وتضمن الاتفاق الاقتصادي المبرم مع كوريا الشمالية بندا سريا يقضي بحصول زعيم كنيسة التوحيد على حق استثمار أرض تقع في تشونغ تشو مسقط رأسه لمدة 99 عاما، تعبيرا عن امتنان كيم ايل سونغ له على مساعدته، ورصدت المنطقة لتصبح «أرضا مقدسة» ومحجا يقصده أتباع مون من كل أنحاء العالم.

ووضعت هذه المساعدة المقدمة لنظام كوريا الشمالية ادارة بوش في موقف محرج، فالحصار الأميركي المفروض على بيونغ يانغ يعود الى زمن الحرب بين الكوريتين في مطلع الخمسينات ويحظر عقد اي اتفاقات تجارية او مالية «بين كوريا الشمالية وأي مواطن اميركي او مقيم بصفة دائمة». وهذا ينطبق تماما على مون المقيم رسميا في «تاري تاون» قرب مدينة نيويورك، وما فعله بالتالي لا يعتبر في نظر كثير من المسؤولين الاميركيين خرقا للقوانين فقط بل دعما لدكتاتور مفلس بالعملة الصعبة التي كان في امس الحاجة اليها، وفي وقت كان يسعى فيه لتمويل برامج تسلح طموحة.

وهكذا حظيت كوريا الشمالية التي صنفها جورج دبليو بوش ضمن «محور الشر»، بدعم والده قبل 12 عاما في الخفاء، تماما كما حدث مع العراق، وقد تعززت العلاقات اكثر فأكثر بين مون الذي امن العقوبة وبوش حتى بعد خروجه من البيت الابيض في عام 1992.

وشارك جورج وباربرة بوش في عدة ندوات في مختلف مناطق الولايات المتحدة وآسيا لمصلحة منظمات يمولها مون. وفي زيارة رافق فيها الرئيس السابق صديقه مون الى الارجنتين، القى محاضرة تقاضى عنها مائة الف دولار، فيما بلغ مجموع ما تلقاه بوش من مون ومنظمته مقابل محاضراته العديدة 10 ملايين دولار.

ولكن حدث ما عكر صفو العلاقة وضايق الرئيس الأميركي الـ41 من صديقه. ونعني بذلك نبرة معاداة أميركا اللاذعة التي طبعت خطب مون. فقد قال مرة: «سيكشف التاريخ بوضوح مكانة مون وموقع اعدائه وسينحني الشعب الاميركي وحكومته امامه». وفي الاول من مايو عام 1997، اكد قائلا على اسماع جمهور من اتباعه: «ان البلد الذي يمثل حصاد الشيطان هو اميركا».

وقد كتب احدهم في مجلة اميركية بارزة معلقا: «من الواضح ان مون يكن عداء صريحا لأميركا وللديموقراطية، ويملك اجندة لتقويض الديموقراطية الاميركية والنزعة الفردانية».

عمل مون بلا كلل طيلة سنوات عدة على تسخير ثروته الطائلة والاعيبه لنيل الحظوة لدى القادة الاميركيين المحافظين في مجالي السياسة والدين، اي لدى ممثلي بلد يكن له في اعماقه كل البغض. والى جانب تعاونه مع بوش اقام تحالفا مع كل زعامات اليمين المتطرف المسيحي والمدافعين المتشددين عن اميركا وقيمها. وحولهم الى شركاء مثل المبشر الاصولي جيري فالويل، زعيم الاغلبية الاخلاقية الذي كان يمر بأزمة مالية حادة في نهاية عام 1993 فطار يوم 5 يناير الى سيئول حيث اجتمع طويلا بمسؤولي كنيسة التوحيد. وحصل في وقت لاحق على 5.2 مليون من مون.

ولم يكن فالويل الذي ايد حملات التشهير ضد بيل كلينتون الوحيد ضمن «الشبكة» التي اقامها مون، فهناك المبشر تيم لاهاي، مؤلف الكتب الدينية الاكثر مبيعا، الذي تلقى 500 الف دولار من بوهاي بارك، الساعد الايمن لمون، والضابط السابق في جهاز سي.اي.ايه الكوري. وهنالك ايضا، رالف ريد مسؤول هيرتيج وغاري بايور، المدير التنفيذي للتحالف المسيحي، بالاضافة الى روبرت شولر، القس والمبشر الديني الشهير على قنوات التلفزيون.

رؤية عالمية إنجيلية

كانت المجموعة الاكثر تطرفا في اقصى اليمين المسيحي تقف في صف سيونغ مون. ويقف افرادها على رأس قوة كبيرة تتراوح نسبة الناخبين فيها بين 15 و18 في المائة، تؤازرهم شخصيات نافذة في عالم السياسة. ولم يكن بإمكان اي مرشح جمهوري للانتخابات الرئاسية تجاهلهم او ازدراءهم وكان مون يمثل جسرا حقيقيا بين قطاعي السياسة والدين، وهنا تكمن قوته. ويذكر ان «مجلس السياسة الوطنية» الذي تأسس على يد القس والكاتب الديني المتطرف تيم لاهاي استفاد من تبرعاته. وتضم هذه المنظمة التي يحاط نشاطها بسرية تامة، كل رموز التيار المحافظ المتطرف الديني من امثال جيري فالويل، وبات روبر ستون، وبول ويريش، الناشط السياسي الذي يرى ان مكان المرأة في البيت، وجيمس دوبسون، مرشد جورج دبليو بوش وناصحه، والمبشر الديني المفضل لدى الرئىس الاميركي جيمس روبنسون، وبوب جونز المعروف بمعاداته للكاثوليكية اذي يصف البابا بـ«المسيح الدجال»، وقد حظيت مؤسسته بزيارة جورج دبليو بوش اثناء حملته الانتخابية عام 2000، وكان ذلك حدثا أثار الكثير من الجدل.

ومن بين السياسيين الاعضاء في هذا المجلس، نجد شخصيات نافذة مثل السيناتور جس هيلمز والنواب ديك آرمي، وهوارد فيليبس، وتوم دي لاي، مرشح تكساس الذي كان سيصبح في نوفمبر 2002، الرجل الاقوى في الكونغرس الاميركي بعد انتصار الجمهوريين في مجلس النواب. ويذكر انه قال في كلمة القاها امام شخصيات دينية: «وحدها المسيحية ترسم الطريق للعيش عبر تقديم اجابات لكل ما نواجهه في هذا العالم». كما اسرّ انه مكلف بمهمة ربانية تتلخص في بث «رؤية عالمية انجيلية في السياسات التي تعتمدها الولايات المتحدة».

ويعمل المجلس المذكور، حسب رأي جو كوناسون، وجين لايونز «كلجنة مركزية لجبهة شعبية ثيوقراطية». انه تحالف افراد وجماعات تخفي خلافاتها لمحاربة عدو مشترك، ويتمثل هذا الاخير بصورة مجردة في الفصل الذي ينص عليه الدستور الاميركي بين الكنيسة والدولة.

ومن ابرز المستهدفين من قبل هذا التحالف، الليبراليون وكثير من الديموقراطيين و«اتباع الفلسفة الانسانية» (العلمانيون) بمختلف مشاربهم، بل وحتى الجمهوريون المعتدلون.

ويعتنق معظم اعضاء التحالف مذهبا يؤكد ان الدستور الاميركي يستمد شرعيته الاساسية من الانجيل طبقا لتأويل البروتستانيين الاصوليين.

وفي مطلع 1999، وفي الوقت الذي لاحت في الافق ملامح الانتخابات الرئاسية المقبلة، كانت هذه الجماعات الدينية عازمة على الوصول الى الحكم عبر مرشح يشاركهم في رؤيتهم بعد ان راودهم الشعور بان قادة الحزب الجمهوري عاملوهم بوقاحة. ويقول احد المراقبين: «كانت سلطتهم آنذاك لا تتعدى العمل على إلحاق الهزيمة بالمرشح الرسمي. وهو ما حدث في عام 1992 مع بوش الاب، ثم مع السيناتور بوب دول في عام 1996 وتحدثت كثير من مراسلاتهم عن ضرورة السيطرة على الحزب في المستقبل».

في الحلقة الثالثة رصدنا أول انتصار كاسح يحققه غلاة المحافظين مع وصول رونالد ريغن إلى السلطة. واندحار اليسار الاميركي في معركة الأفكار لصالح مفكري الفريق الأول، من أمثال صاموئيل هانتبنغتون وفرانسيس فوكاوياها، ودينيس دسوزا وغيرهم. ورأينا كيف ظهرت صحيفة «الواشنطن تايمز» تكريسا لهذا الحضور الفكري الطاغي، وتكشّف لنا ما بين هذا الاعلام والمؤسسات الاستخباراتية في أميركا من تواطؤ، وعلاقات مشبوهة جمعت بينه وبين رموز حركة المحافظين الجدد.

اشكروفت لا يتقن تلاوة الإنجيل ويشوه نصوصه

المسيحيون يدعمون اليهود اليوم من أجل إلغائهم غداً

في عام 1999، بدا احد المرشحين هو المفضل لديهم ولكنه لم يكن جورج دبليو بوش بل جون اشكروفت الآتي من الجنوب. وقال عنه جيف جاكوبي في الواشنطن تايمز: «اشكروفت ولد ونشأ في احضان اليمين المسيحي». وكان ينتمي الى جماعات الرب التي تستقطب 3.2 مليون عضو في الولايات المتحدة واكثر من 30 مليونا من الاتباع في مختلف انحاء العالم.

(...) غير ان اشكروفت يتحدث في خطاباته بشكل اختزالي ومقلق عن تاريخ اميركا والانجيل، بل انه ـ حسب ما اشار اليه الصحافي روبرت باري ـ غير قادر على تلاوة نصوص الانجيل دون تشويهها. وقد تلقى لإطلاق حملته الانتخابية. تبرعات بقيمة 10 الاف دولار من زعيم التحالف المسيحي بات روبرستون وزوجته. واسرَّ روبرستون منذ 1992 لصحيفة دنفر بوست قائلا: «ان هدفي هو بسط السيطرة على الحزب الجمهوري». لكن اشكروفت لم يكن قادرا على فرض نفسه على الصعيد الوطني وتحقيق هذا الهدف، اما مون الذي ظل روبرستون على علاقة وثيقة معه فقد كان يفضل جورج دبليو بوش.

وكان حاكم تكساس، الابن البكر للرئىس السابق يملك في نظر روبرستون ميزتين اساسيتين: الامكانات المالية الضخمة، والعلاقات الوثيقة التي يحرص على تنميتها مع الجماعات الاصولية المسيحية.

وحض روبرستون اليمين المسيحي على دعم جورج دبليو بوش واقصاء خصمه الاخطر، السيناتور جون ماكاين، وكان المقابل الذي طلب من بوش دفعه لقاء هذا الدعم تعيين جون اشكروفت في منصب وزير العدل، بينما كان ينوي تعيينه قاضيا في المحكمة العليا، فانهالت عليه وعلى نائبه ديك تشيني الاتصالات من كل مسؤولي اليمين الديني يطالبون بوزارة العدل لأشكروفت، وكان لهم ذلك، مما اثار حفيظة المدافعين عن الحقوق المدنية، وحماية البيئة والفصل الدستوري بين الكنيسة والدولة. والى جانب السلطة القضائىة بسط اشكروفت سيطرته على جهاز الإف. بي. آي. ومكتب الكحول والتبغ والاسلحة النارية، وكلها اجهزة تتمتع بسلطات زجرية مهمة.

وبذلك اصبح بالامكان بالنسبة الى بات روبرستون وحلفه، الذي جعل من الحرب ضد العلمانية سلاح المعركة الاساسي، بدء «المواجهة الروحية» وقد صرح قائلا «سيكون هناك قوى شيطانية يجب علينا محاربتها، وينبغي ان تكون الاستراتيجية الواجب تبنيها ضد اليسار الراديكالي الاميركي مشابهة لتلك التي اعتمدها الجنرال ماكارثور ضد اليابانيين ابان حرب المحيط الهادي».

«إن الشعب اليهودي في اسرائىل والعالم لا يملك صديقا اعز من جيري فالويل»، إذ لم يفوت هذا المبشر ورجل الاعمال الفرصة يوما للتأكيد على الاهتمام الكبير الذي يخص به الاصوليون المسيحيون الدولة العبرية والجاليات اليهودية.

ويعد فالويل احد الزعماء المنتمين الى تيار «المسيحيين الصهاينة» وكذا احد العناصر الفاعلة في هذا اللوبي، الذي يتسم بالتنظيم المحكم والجرأة ولا يستطيع اي زعيم سياسي اميركي تفاديه، او الالتفاف عليه.

ويذكر انه منذ منتصف القرن 20 اصبح مصطلح «اصولي» يعني نمطا عنيفا ومتشددا للغاية من البروتستانتية، ويؤكد على مكافحة الانحطاط الثقافي والفكر الليبرالي، وتؤمن معظم هذه الحركات بنبوءات جون داربي، وهو قس انكليزي تحدث في القرن 19 عن سلسلة من الاحداث باعتبارها نذيرا بقرب نهاية العالم، ومن بينها الحرب، وظهور نظام سياسي واقتصادي عالمي جديد، وعودة اليهود الى الارض المقدسة التي وعد بها ابراهيم.

وعمل القس المحافظ المتطرف، وصديق مون، تيم لاهاي على ترويج افكار داربي في كتبه الدينية وهي نبوءات تعد بعودة المسيح الذي سيقيم مملكة الرب بعد معركة ارمجيدون، لكنه يرهن هذه النهاية السعيدة بتخلي اليهود عن دينهم وهو ما لن يحدث الا اذا استعادوا كل الاراضي التي منحهم اياها الله. ويقول ماثيو انجيل في صحيفة الغارديان معلقا: «يدعم هؤلاء المسيحيون اليهود بغرض الغائهم» ويتبنى جيري فالويل، وبات روبرستون، ودي إل مودي مؤسس معهد
Bible moody هذا الاعتقاد، وكذلك مايكل جيرسون، محرر خطابات جورج دبليو بوش.

وفي مجلة بيزنس ويك كتب ستان كروك يقول: «منذ زمن صلاح الدين حتى عهد صدام حسين، ينظر المسيحيون الاصوليون الى القادة المسلمين كمسيح دجال محتمل او على الاقل كنذير بظهوره» ثم يضيف محللا نظريات جون داربي «بعد سبع سنوات من هذه الهيمنة الشيطانية يعود المسيح وقديسوه المتمثلون، على الارجح، في جورج دبليو بوش ومعاونيه» لينتصروا على الشر في معركة ارمجيدون، وهي ساحة معركة قديمة تقع بالقرب من حيفا شمال اسرائيل. وسيستقر المقام بالمسيح في القدس ومنها سيحكم العالم لمدة الف عام، وهي «الألفية» التي طالما انتظرها المؤمنون بهذا الاعتقاد.

ويجد هذا التفسير للانجيل صدى لدى بعض السياسيين مثل جون اشكروفت، وتوم دي لاي، ممثل تكساس الذي أصبح الرجل الأقوى في الكونغرس الأميركي. ويذكر انه خلال الانتفاضة الثانية حذر بوش، رغم الصداقة التي تجمعهما، كما حذر ادارته من مغبة القيام بأي محاولة للضغط على ارييل شارون لحمله على سحب القوات الاسرائيلية من الضفة الغربية.

وتجدر الاشارة الى ان الانتصار الخاطف الذي حققته اسرائيل في حرب الستة أيام عام 1967، واحتلال مدينة القدس، اشاعا نشوة عظيمة بين معتنقي افكار داربي. وقد كتب نيلسون بيل، صاحب صحيفة كريستيانيتي توداي
Ghristianuty Today، وهو المبشر الديني الشهير بيلي غراهام، يقول: «ها هي عودة القدس الى اليهود للمرة الأولى منذ أكثر من الفي عام تثير في دارس الانجيل قشعريرة، وتؤكد من جديد صحة الانجيل وصدقه».

تحالف غامض

انعقد هذا التحالف الغامض بين اسرائيل والمسيحيين المحافظين في عام 1977، حين وصل مناحيم بيغن والليكود الى الحكم للمرة الأولى. وكان بيغن يريد التصدي بأي ثمن لمبادرات الرئيس جيمي كارتر الرامية الى اطلاق مفاوضات من أجل الاعتراف بحق الفلسطينيين في اقامة وطن. وسعى الليكود جاهداً الى استمالة العناصر الاصولية داخل تيار المحافظين المسيحيين المتطرفين المؤيدين للتعنت الاسرائيلي. وهكذا خسر كارتر قاعدة انتخابية مهمة.

وقد اشترى هؤلاء صفحات كاملة في أهم الصحف الاميركية ليكتبوا فيها: «آن الأوان بالنسبة إلى المسيحيين الانجيليين ليؤكدوا اعتقادهم بنبوءة الكتاب المقدس، وحق اسرائيل الإلهي في أرضها. واننا لنؤكد كإنجيليين إيماننا بالأرض التي وعد بها الشعب اليهودي.. وكنا ننظر بكثير من القلق إلى كل الجهود الرامية الى اقتطاع جزء من الوطن اليهودي لأمة أخرى أو كيان سياسي آخر.

شارون نجم الروك

كان التفاف المسيحيين الصهيونيين المكثف حول رونالد ريغن في عام 1980 احد أسباب الهزيمة التي مني بها جيمي كارتر. وفي يونيو 1981 اتصل مناحيم بيغن هاتفياً بجيري فالويل، حتى قبل الاتصال بالرئيس الاميركي، وذلك مباشرة بعد قيامه بتدمير محطة اوزيراك النووية في العراق. وحين قررت حكومة بيغن عام 1982 اجتياح لبنان، ذهب صانع هذه المبادرة الرئيسي، ارييل شارون، وكان وزيراً للدفاع آنذاك، الى الولايات المتحدة للتأكد من مدى دعم المسيحيين المحافظين لها.

وحظي شارون لدى مثوله أمام المسيحيين الصهاينة بتصفيقات وهتافات «يخص بها عادة حسب أحد الشهود نجوم موسيقى الروك». ويذكر ان رئيس الوزراء الاسرائيلي يتبوأ مكانة خاصة، إذ يعتبر في نظر بعض المتطرفين، الرجل الذي اختاره الله لانجاز نبوءات آخر الزمان. وهو يعرف في زعمهم من مساره حيث ملك السلطة ثم اهتزت صورته لدوره المفترض في مذابح صبرا وشاتيلا. كما يستندون الى نص ورد في الانجيل يقول «يسقط الرجل العادل سبع مرات ثم يقوم منها».

ويستند دعم اسرائيل لأسباب دينية الى تفسير حرفي للتوراة. إذ يؤكد المسيحيون الصهاينة انهم بدعمهم برنامج اسرائيل الكبرى الذي دافع عنه بيغن وحزب الليكود، لا يفعلون سوى تلبية نداء الرب، مثلما ورد في العهد القديم.

(...) وقد صرح زعيم التحالف المسيحي السابق رالف ريد بالقول: «ليس هناك دليل اكبر على بسط الرب سلطانه على العالم اليوم من بقاء اليهود، ووجود اسرائيل، وهذه الحقيقة تفسر في جزء منها سر تشبث المسيحيين وغيرهم من المحافظين المؤمنين بدعم اسرائيل».

أزمة الشرق الأوسط في الإنجيل

وعن هذا التحالف الغامض، كتب كل من كين سيلفر ستين ومايكل شيرر في ماذر جونز
mother jones: «يعمل المسيحيون على دعم اسرائيل فقط لايمانهم ان ذلك يؤدي الى انتصار المسيحية في نهاية المطاف، وازمة الشرق الاوسط بالنسبة إليهم تنبأ بها كتاب الانجيل».

(...) ويؤكد الحليف الاكبر لليكود والقادة الاسرائيليين ان المسيح الدجال قد ظهر وانه «يهودي وذكر» ويعتبر القس تشاك ماسلر معتقل او شويتز النازي «مجرد تمهيد لارمجيدون المقبلة» لكن التحالف بين ادارة بوش والحكومة الحالية في اسرائيل لا يستطيع ان يخفي الجانب المقلق في طروحات داربي التي يرددها المسيحيون المتطرفون، ومفادها انه في نهاية هذه المعركة النهائية بين الخير والشر سيتحول كثير من اليهود الى الدين المسيحي، اما الكافرون من بقية اليهود والمسلمين فسيكون مصيرهم الهلاك والموت، وسيقود المسيح الصالحين بعد ذلك الى الجنة.

إغاثة روحية

كانت صحيفة لوموند قد ذكرت في احدى مقالاتها ان المبشرين الدينيين الاميركان كانوا يرابطون خلال الحرب عند ابواب العراق «استعدادا لتقديم الاغاثة» المادية والروحية الى السكان بعد تحريرهم من صدام حسين، وكانت «هناك فرق تابعة لكل من المؤتمر المعمداني لمنطقة الجنوب وجمعية سامارتيان بورس الانسانية (يرأسها فرانكلين غراهام ابن المبشر الانجيلي الشهير بيلي غراهام) ترابط على الحدود الاردنية»، ويذكر ان فرانكلين غراهام هذا هو الذي كان له شرف «مباركة» حفل تنصيب جورج دبليو بوش في يناير 2001، ويتلقى دائما دعوات لزيارة البيت الابيض ونقل عنه كلام لاذع عن الاسلام اذ قال: «ان إله المسلمين ليس هو نفسه إله المسيحيين، انه إله مختلف واعتقد ان ديانتهم ديانة عدائية وشريرة جدا».

ليست قوى اليمين المسيحي الاميركي المتطرف وحدها فاعلة في ادارة بوش فثمة عناصر في الفريق الرئاسي كانت من اشد المتحمسين لعملية «الحرية العراقية» وتتبنى طروحات مشابهة لطروحات الاصوليين، لكنها تختلف معهم في الافكار والرؤية، وهي عناصر يهودية مقربة من حزب الليكود الاسرائيلي ومؤيدة لاتباع «اسلوب صارم» في التعامل مع المسألة الفلسطينية.

وقد اصبح هؤلاء، منذ وصول جورج دبليو بوش إلى السلطة، وتحديدا منذ تاريخ 11 سبتمبر، مقربين جدا من القائد العام لأهم جيش في العالم، وباتت توصياتهم وطروحاتهم تلقى آذانا صاغية لديه، وهم الذين يقفون وراء السياسة الخارجية الجديدة لواشنطن.

لكن العلاقات التي تربطهم باسرائيل، وبفئة من الطبقة السياسية الاميركية تطرح تساؤلات كبيرة حول مدى اخلاقيات نشاطاتهم وشرعيتها.

ويعتبر دوغلاس فيث، وكيل وزارة الدفاع خير مثال لهذه العلاقة الوثيقة بين الادارة الحالية واليمين الاسرائيلي.

فهو مقرب جدا من المنظمة الصهيونية الاميركية، حيث يلقي محاضرات عدة.

وكان فيث قبل عمله في ادارة بوش يدير مكتب محاماة يملك فروعا خارجية في اسرائيل دون غيرها، وكان يمثل «صاحب شركة لصنع الاسلحة اسرائيليا».

ويتمتع فيث بخصوصية تميزه عن البقية من أمثاله وتتمثل في كونه المسؤول الاميركي الوحيد الذي يملك سندات خزينة اسرائيلية، وهو استثمار لا يستحق الذكر الى جانب ثروته التي تتجاوز 27 مليون دولار لكن وكيل وزارة الدفاع ليس الوحيد بين الصقور الذي عمل مع اصحاب شركات الاسلحة الاسرائيليين، فريتشارد بيرل الذي يصنف اليوم ضمن المحافظين الجدد، سبق ان عمل لمصلحة شركة
soltam
التي تصنع قطع المدفعية وقذائف الهاون، ويعد بيرل الأكثر نفوذا بين «الصقور» الى جانب بول وولفويتز، وكان يدير مجلس سياسة الدفاع التابع للبنتاغون قبل ان يقدم استقالته على اثر اتهامه بالتورط في فضائح مالية، لكنه احتفظ بعضويته في المجلس.

وفيما يفضل بيرل العمل في الظل والابتعاد عن الاضواء حتى لقب في عهد ريغن، بـ «أمير الظلمات»، يحب بول وولفويتز الظهور واحتلال موقع الصدارة في وزارة الدفاع الاميركية، لكن الدروب التي سلكاها تقاطعت اكثر من مرة منذ ثلاثين عاما، وخاصة في المعهد اليهودي لشؤون الامن القومي، وهو مركز ابحاث ودعم لاسرائيل في الظاهر، ومجموعة ضغط في الواقع ذات هدف مزدوج يتمثل في منع بيع الاسلحة المتطورة الى العالم العربي، والحرص على استمرار تدفق المساعدات العسكرية الاميركية في اتجاه الدولة العبرية.

والى جانب بول وولفويتز، ودوغلاس فيث، وريتشارد بيرل، يرد اسم اليوت ابرامز، الذي عين في ديسمبر 2002 مديرا لشؤون الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي بناء على اوامر كونداليسا رايس، وهو بصفته هذه يتولى تحرير التقارير المتعلقة بالصراع الاسرائيلي الفلسطيني وتزكيتها او وقفها قبل ان ترفع الى كونداليسا رايس وجورج بوش.

كان جون اشكروفت يمثل في البداية المرشح المثالي للرئاسة بالنسبة لليمين المسيحي، لولا أن ابن تكساس تفوق عليه بالجمع بين الثروة الطائلة، والعلاقات الوثيقة مع الجماعات الاصولية المتطرفة. وهو ما رجح كفة الرئاسة لصالحه بدعم من اللوبي المسيحي اليميني الذي يتمتع بنفوذ لا يفل ويحمل مشروعا لمكافحة الانحطاط الثقافي بحسب مفهومه الخاص والفكر الليبرالي بشكل عام.

وأبرز ما يسم حركات اليمين المسيحي المتطرف هو ذلك التحالف الوثيق الذي يجمعها باسرائيل، والنابع من ايمانها الراسخ بحق هذه الأخيرة في أرض الميعاد.

العالم الإسلامي خصم جديد بعد الاتحاد السوفيتي في عرف الصقور

الصقور يتراجعون في خطة تقسيم العراق لإضرارها بالزعامة الأميركية في العالم

لا يمثل المحافظون الجدد كل اليهود والاسرائيليين بل هم مجرد مجموعة صغيرة من الاشخاص يسعون لتحقيق اهداف رسموها لانفسهم عبر وسائل ما فتئوا يبسطون سيطرتهم عليها اكثر فأكثر مع تزايد حجم نفوذهم داخل الادارة الحالية.

ويبدو ان سطوتهم المتنامية لم تعد تجد من يقاومها داخل الادارة، فأسلوب الاعتدال الذي يمثله كولن باول باعتباره خصمهم المبين آخذ في التلاشي تماما، وقد «تطهر البنتاغون في نهاية 2001 من آخر حمامة» ونعني بذلك بروس ريدل الذي كان يدعو الى الحرص على توافر تحالف كبير في الحرب على الارهاب ومراعاة الحساسيات العربية التي قد يفرزها هجوم محتمل ضد العراق.

وامعانا في عزل كولن باول، نجح كل من وولفويتز ورامسفيلد في فرض شخصية اخرى موالية تماماً للصقور عليه، وهكذا تم تعيين جون بولتون، في منصب وكيل وزارة لشؤون الامن القومي، ومسؤول عن الاسلحة رغم تحفظات وزير الخارجية.. وبدوره اتخذ بولتون لنفسه مستشارا خاصا يدعى ديفيد وارمسر، وهو صديق ريتشارد بيرل سبق له التعاون ايضا مع بنيامين نتانياهو حين كان رئيسا للوزراء، وزوجته ميراف شاركت في تأسيس معهد الابحاث الاعلامية لشؤون الشرق الاوسط الى جانب الكولونيل ييغال كارمون، المسؤول السابق عن جهاز الاستخبارات العسكرية الاسرائيلي، ويحرص المعهد على ترجمة ما ينشر في الصحافة العربية من مقالات لاذعة، وابراز نزعة معاداة السامية التي تهز هذه المنطقة الى جانب ترجمة المقالات المؤيدة للسياسة الاميركية في الشرق الاوسط، ففي يوم 24 ابريل 2003، وبعد ايام قليلة من ورود ذكر سوريا في خطابات رامسفيلد، نشر المعهد على الصفحة الاولى من موقعه ترجمة لمقال من صحيفة كويتية يعتبر نظام بشار الأسد «أسوأ من نظام صدام». ومن الواضح ان هذه الترجمة لم تأت اعتباطاً لأنها تعكس وجهة نظر عربية مؤيدة لسياسة واشنطن. وهو ما يجافي الحقيقة إذ ما من مسؤول سياسي في الشرق الأوسط ـ فما بالك بالمواطن العادي ـ يؤيد تدخلاً عسكرياً في سوريا مجهول العواقب.

شارك ديفيد وارمسر الذي سبق ذكره، الى جانب ريتشارد بيرل، ودوغلاس فيث في إعداد تقرير سري للغاية يحمل عنوان «قطيعة شاملة» ورفع الى رئيس الوزراء الاسرائيلي نتانياهو عام 1996. وتمحور التقرير حول هدفين أساسيين اثنين رسما من أجل مصلحة اسرائيل وهما: تفكيك العراق، وتصفية النظام السوري.
وجاء في التقرير ما يلي:

«جاءت دعوة الاردن الى اعادة النظام الهاشمي لحكم العراق بمثابة الثقل الموازن للطموحات الاقليمية السورية. وبما ان مستقبل العراق سيؤثر في التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط تأثيراً عميقاً. فإن تأييد اسرائيل لعودة الملكية في العراق سيكون له ما يبرره. وبإمكان حكومة نتانياهو ان تقوم بأولى زياراتها الرسمية الى الاردن قبل الذهاب الى واشنطن، وتقدم الدعم للملك حسين لمساعدته (في مجال الأمن والاستخبارات) في مكافحة التخريب السوري وتشجيع الاستثمارات الأجنبية في الاردن عبر نفوذ اسرائيل في أوساط رجال الأعمال الاميركيين، لتخليصها من تبعيتها (الحالية) تجاه العراق، وإلهاء السوريين باستخدام عناصر معارضة لبنانية لخلخلة قبضة سوريا على لبنان.

... ويمكن لاسرائيل ان تشكل محيطها الاستراتيجي بالتعاون مع تركيا والاردن عبر اضعاف سوريا. وقد يتحقق ذلك بعزل صدام حسين في العراق مما يسمح بالتالي بإجهاض طموحات دمشق. كيف؟ بعقد تحالفات مع العشائر العربية التي تقطن على جانبي الحدود العراقية ـ السورية والمعادية للنظام السوري..».

وفضلاً عن هذه النصائح ذات الطابع الجيوستراتيجي التي تبدو كإرشادات للحرب الحالية، ذهب بيرل وزملاؤه أبعد من ذلك إذ جاء على لسانهم «نظراً إلى طبيعة نظام دمشق، فإنه من الطبيعي والاخلاقي ان تتراجع اسرائيل عن محاولاتها الانفتاحية (السلام الشامل) وتتمسك بكبح نمو هذا البلد عبر لفت الانظار الى برامجه لامتلاك اسلحة الدمار الشامل، ورفض اتفاقات السلام مقابل الأرض الخاصة بمرتفعات الجولان».

بل تضمنت هذه الوثيقة «نصائح» في مجال الاتصال لكسب تعاطف واهتمام الاميركيين خلال زيارات بنيامين نتانياهو للولايات المتحدة. وأوصى أصحابها رئيس الوزراء الجديد بالحديث عن أهدافه السياسية بلغة مألوفة لدى الأميركيين.

هكذا نستخلص إذن ان الحرب في العراق لم تكن قراراً جديداً بالنسبة إلى الصقور في هذه الادارة. وهي ليست نتيجة «عملية التفتيش» التي لم تقنع أحداً بل تمثل تجسيداً لاستراتيجيات أقدم في الزمن تهدف الى اعادة تشكيل ميزان القوى السائد اليوم في الشرق الأوسط.

ولكن يبقى السؤال مطروحاً بعد قراءة هذا التقرير حول الهدف الحقيقي من وراء هذه العملية. هل هو السعي وراء المصالح الاميركية أو تعزيز وضع اسرائيل في المنطقة؟

ومهما كانت القضية الأساسية التي يدافع عنها الصقور، فإن التفكير في تفكيك أمة ذات تركيبة معقدة جداً كما هي الحال في العراق، وإلصاقها بمملكة تفتقر الى الاستقرار مثل الاردن يكشف مدى ثقة هؤلاء بأفكارهم ومشاريعهم ولا واقعيتهم. وبعد أربع سنوات من رفع تلك الوثيقة الى نتانياهو، تم تقديم نسخة أخرى منها مخصصة للأميركيين وتحديداً لجورج دبليو بوش لكنها اختلفت عن النسخة الأصلية في شيئين اثنين، فاستخدمت فيها مصطلحات مألوفة لدى الأميركيين. وتم إغفال الحديث عن أي تفكيك للعراق. وان عادت هذه الفكرة لتتردد على لسان بول وولفويتز. وتم تحرير هذا التقرير تحت اشراف مركز دراسات آخر في واشنطن يحمل اسم المشروع من أجل القرن الاميركي الجديد
PNAC، ويعمل من اجل تشجيع «الزعامة الاميركية للعالم» ويضم المركز الصقور الموالين لاسرائىل المتعاطفين مع الليكود واعضاء من اليمين المسيحي المتطرف الاميركي.

مناورة تشيني

كان الصقور قد حاولوا مرارا الترويج لوجهة نظرهم على اعلى مستوى في السلطة التنفيذية، فبعد مرور فترة قصيرة على سقوط جدار برلين في عهد ولاية بوش الاولى، دار حديث حاسم بين ديك تشيني وبول وولفويتز كان بمثابة الانتصار الاول للمحافظين الجدد، اذ شكل تشيني، وكان وزيرا للدفاع آنذاك، لجنة تضم الى جانب آخرين بول وولفويتز ولويس ليبي (مناصرا آخر للحرب الحالية). وكان الهدف الذي رسمه هؤلاء كبيرا ويتمثل في وضع الخطوط العريضة لسياسة خارجية اميركية جديدة في عالم ما بعد الحرب الباردة، ثم طلب من كولن باول، الذي كان يتولى رئاسة الاركان، اعداد تقرير منافس يقدم رؤية للعالم وللعلاقات الدولية تتسم بالاعتدال قياسا الى رؤية الصقور. وحدد تشيني تاريخ 21 مايو 1990 لعرض التوصيات، وتم تخصيص ساعة لكل من وولفويتز وفريقه، وباول وفريقه، وفي الموعد المحدد اعطيت الكلمة لوولفويتز اولا فتجاوز المدة المخصصة له كثيرا دون ان يقاطعه تشيني. واضطر باول للمغادرة دون عرض تقريره بعد ان حدد له وزير الدفاع موعدا بعد اسبوعين من باب المجاملة.. وهكذا كان الموجز الذي نقله هذا الاخير لجورج بوش الأب تلخيصا وافيا لأفكار وولفويتز وخرج باول خاسرا، وكان من المتوقع ان يلغي الرئيس الاميركي خطابا تاريخيا لكونه كان يمثل انعطافة حقيقية في تاريخ هذه الامة المعروفة بانطوائها على نفسها ونفورها من الاهتمام بما يجري في الخارج ومن التدخل في مشاكل العالم. الا ان الخطاب الذي كان مرتقبا في الوقت نفسه، الذي كانت الدبابات العراقية تتدافع فيه نحو الكويت، ألغي.

وطيلة التسعينات، بدأت ملامح رؤية الصقور تتضح شيئا فشيئا، وحدد مبدؤهم الخاص بالسياسة الخارجية العالمية الذي يقوم على استباق التهديدات وتصفية القوى المنافسة، بغض النظر عن موقعها وعن الظروف، هدفا واضحا تمثل في الشرق الاوسط باعتباره مصدرا للقلاقل الدائمة، وتولد لدى الصقور يقين مطلق بتشابك المصالح الاميركية بالمصالح الاسرائىلية بفعل الروابط القوية احيانا التي تربطهم بإسرائىل (شقيقة وولفويتز تقيم في اسرائىل) وتماثل الرؤى بينهم وبين زعماء الليكود، اذ يدعو هولاء الى ضرورة تكاتف هاتين الديموقراطيتين، مهما كان الثمن، من اجل التصدي للعالم العربي الذي حل محل الاتحاد السوفيتي في دور الخصم. وهو خصم يجب تحريره بالقوة اذا اقتضى الامر ذلك. ويبدو واضحا هنا مدى التأثير الكبير لطروحات المستشرق الشهير المقرب من المحافظين الجدد برنارد لويس، الذي قال عنه بول وولفويتز «كان بارعا في وضع العلاقات مع الشرق الاوسط وقضاياه في سياق اوسع عبر فكر موضوعي وفذ ومستقل، فلويس علّمنا كيف نفهم تاريخ الشرق الاوسط المعقد والمهم، وكيف نستخدمه لنهتدي به، من اجل اقامة عالم افضل للاجيال القادمة».. يذكر ان برنارد لويس هو خبير معروف عالميا خدم ابان ا لحرب العالمية الثانية في اجهزة الاستخبارات البريطانية، وهو الذي ابتكر مفهوم «صدام الحضارات» الذي ردده صاموئيل هانتنغتون في طروحاته لاحقا.

 

الصقور تحفزوا لبغداد منذ 1998

اصبحت بغداد هدفا مفضلا لدى الصقور منذ عهد كلينتون، ففي عام 1998 نشر مركز «مشروع القرن الاميركي الجديد» رسالة مفتوحة الى الرئيس يطالبه فيها بالقيام بعمل عسكري من طرف واحد، دون المرور عبر مجلس الامن، وهي الرسالة التي وقعها كل من ريتشارد بيرل وبول وولفويتز ودونالد رامسفيلد وبعد ذلك ببضعة اشهر طلب مركز ابحاث آخر يحمل اسم «لجنة السلام والامن في الخليج» من بيل كلينتون الاعتراف بحكومة عراقية مؤقتة يقودها اعضاء المجلس الوطني العراقي، على اعتبار ان هذا الاعتراف من شأنه ان يشكل الخطوة الاولى باتجاه «استراتيجية سياسية وعسكرية ترمي الى اسقاط صدام حسين ونظامه». وكان من بين الموقعين على هذه الرسالة الثانية الى جانب ريتشارد بيرل، بوصفه أحد رئيسي المركز، كل من رامسفيلد ووولفويتز، وفيث، وأبرامز، وبولتون. ولا تخفى استراتيجية تحريك اللجان والهيئات ومراكز الابحاث بسرعة متدرجة على أحد في واشنطن.

ويقول أحد موظفي وزارة الخارجية شارحا: «يستخدم بيرل وبقية الصقور هذه الطريقة منذ زمن طويل. وهي تولد انطباعا لدى الرأي العام، وكذا بعض اعضاء الكونغرس بأن موجة المحافظين الجدد بصدد التحول الى مدّ كاسح. اذ يعمد مركز بعينه الى حشد التأييد في اطار لوبي لضرب العراق، ثم يحذو مركز آخر حذوه في اليوم التالي.

وفي الاسبوع الموالي تنشر صحيفتك المفضلة في صفحتها الاولى رسالة وصلت من «معهد ابحاث» آخر. وهكذا يجري الحديث بصوت واحد عن الموضوع، وهو ما يكون له اكبر الاثر اذ يعتقد الناس خطأ ان الاغلبية تتبنى آراء هؤلاء».

وقد صرح سياسي اسرائيلي سابق مقرب من اسحق رابين ومعارض لسياسة الصقور فقال: «انهم يأملون في اعادة المجد الاميركي. ومن شأن هذه القوة المتنامية ان تخدم في الوقت نفسه من وجهة نظرهم المصالح الاسرائيلية. ولأنهم منظرون فان ميزان القوى في المنطقة يمكن تحديده بالارقام وعلى الخرائط. فالامر بالنسبة إليهم مجرد عملية حسابية. اي ان اسقاط صدام واضعاف سوريا كفيلان بتركيع الفلسطينيين». ويضيف قائلا: «... الصقور في واشنطن لا يشعرون بشيء من آثار النزاع الذي لا يعيشونه بصورة مباشرة. ومع ذلك، فانهم هم من يقرر مصيرنا اليوم».

العراق بين خياري التقسيم والإلغاء

الاطاحة بنظام صدام وقعت، والآن ماذا ينتظر العراق او بالاحرى كيف يمكن لاسرائيل ان تستفيد من هذا الوضع الجديد؟ في عام 1996 كان افراد الفريق العامل في البنتاغون اليوم يفكرون في ضم العراق الى الاردن. لكن «مجموعة التحليل والتوقعات الاستراتيجية»
STRAFOR
كشفت ان ديك تشيني يفكر في خيارين اثنين بخصوص العراق، فإما ضمه الى الاردن (كما جاء في تقرير «قطيعة شاملة») او تفكيكه الى ثلاث ولايات، تمنح واحدة حكما ذاتيا، وتلحق الثانية بالاردن، فيما تدمج الثالثة، والمتمثلة في المنطقة الشيعية في الكويت. انه من الصعب فهم المنطق الاميركي. فمن ذا الذي يمكنه ان يستفيد من ضم العراق الى البلد الوحيد «الصديق» للدولة العبرية في المنطقة اذا استثنينا اسرائيل؟

ومن المعروف ان الشيعة في العراق يمثلون اغلبية تبلغ نسبتها 60 في المائة من مجموع السكان. والعلاقات بين الشيعة والسنّة لا تتسم بالمودة الا في ما ندر. فكيف يعقل ان نتوقع النجاح لعملية الزرع هذه، اذا علمنا ان المذهب السني هو السائد في كل من الاردن والكويت؟

ثم ان الاميركيين تدخلوا في الخليج عام 1991 بعد غزو صدام للكويت بحجة انها كانت جزءا من العراق فيما سبق، وها هي واشنطن تريد اليوم ضم العراق الى بلدين مجاورين، وهي خطوة تفتقر الى الشرعية.

وقد أسرَّ أحد الخبراء بالقول: «يتردد الحديث عن هذه الخطط كثيرا في واشنطن، ولكن هناك شعورا عاما بان مشروع تفكيك العراق سيكون بمنزلة القشة التي تقصم ظهر البعير، وقلة فقط ترى ان الصقور يمكن ان يقدموا على ذلك..».


واشنطن لا تحسن اختيار الهدف

قال مسؤول بريطاني في حديث لمجلة نيوزويك نشر في اغسطس 2002: «الجميع يريد التوجه الى بغداد، لكن الرجال، الحقيقيين يريدون الذهاب الى طهران»، ومن جهتها، ذكرت صحيفة هآرتس في فبراير 2003 ان جون بولتون اسرّ لمسؤول اسرائيلي ان الولايات المتحدة ستهتم بأمر ايران وسوريا وكوريا الشمالية بعد ان تفرغ من العراق.

لكن الامور ستتعقد على نحو خطير بالنسبة إلى الدولة العبرية في حال التفت الاميركيون صوب دمشق، لان تبرير الهجوم على سوريا سيكون اصعب بكثير.

لقد وضع اسم سوريا على القائمة السوداء في اميركا لان الصقور قرروا ذلك. ولنا ان نتساءل هنا عن سبب التغاضي عن كثير من البلدان التي تؤوي عناصر القاعدة مثل الصومال التي تعتبر ملاذا آمنا لهذا التنظيم. وهذه حقيقة لا يجرؤ اي جهاز مخابرات في العالم على دحضها.

(...) حين يتعلق الامر بالفوائد المرجوة في اوساط اليمين الاسرائيلي من هذه النزاعات، يحرص الصقور على السرية والتكتم. وقد تحدثت نيويورك تايمز في نهاية العام الماضي (2002) عن وجود وثيقة لا تخلو من دلالة، وتنصح الاسرائيليين واليهود الاميركان باجتناب الخوض في موضوع الحملة العراقية. ويقول نص الوثيقة: «اذا كان هدفكم تغيير النظام (في العراق) فعليكم ان تنتبهوا اكثر لما تتلفظون به تحاشيا للعواقب المحتملة، حتى لا يعتقد الاميركيون ان حرب العراق شنت لحماية اسرائيل وليس اميركا (...) اتركوا السياسيين الاميركيين يدافعون عن الحرب في العراق في الكونغرس وفي وسائل الاعلام. واتركوا المجموعة الدولية تتشاجر في منظمة الامم المتحدة. فصمتكم سيصرف انظار العالم الى العراق وليس الى اسرائيل».

 

في نهاية عام 2001، «تطهر» البنتاغون من «آخر حمامة» مع خروج بروس ريدل المعروف باعتداله، وعَزْل كولن باول بفرض جون بولتون الموالي للصقور عليه في وزارة الخارجية. وحين بدأ يستتب الأمر للصقور جرى إعداد تقرير سري للغاية رفع إلى رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك بنيامين نتانياهو عام 1996. ويتمحور التقرير حول هدفين أساسيين يصبان في مصلحة اسرائيل وهما تفكيك العراق، وتصفية النظام السوري. وهذا ما يؤكد أن قرار الحرب في العراق كان تجسيدا لاستراتيجيات ترمي إلى إعادة تشكيل ميزان القوى السائد اليوم في الشرق الأوسط.

التقت مصالح الصقور وعمالقة النفط فوجب التغيير

تتعدى علامات الاستفهام حول ولاء بعض «الصقور» نطاق التعاطف مع اسرائيل. ففي مارس 2003 كشف الصحافي الاميركي في النيويوركر، سيمور هيرش، المتخصص في التحقيقات الصحفية ان «ريتشارد بيرل كان احد الشركاء في شركة
Trireme التي تستثمر في قطاع التكنولوجيا والخدمات وتولي اهتماما خاصا بقطاع الدفاع والامن الداخلي».

وبعد مرور عام، جمعت الشركة 45 مليون دولار، 20 مليونا منها قدمتها شركة بوينغ. لكن بيرل وشركاه ظلوا في سعي دائم لاستقطاب مزيد من المستثمرين فلجأوا الى الشخص الاكثر اثارة للجدل في العالم طلبا للمساعدة. ونعني بذلك عدنان خاشقجي، السعودي (67 عاما) الذي جمع ثروة طائلة من وراء دور الوساطة الذي لعبه في عقود الاسلحة المبرمة بين العائلة المالكة والشركات الاوروبية والاميركية. وكان يمثل بفضل علاقاته الواسعة وقدرته على التفاوض خير ضمان لنجاح شركة استثمارية تبحث عن استثمارات جديدة.

وقد التقى المسؤول عن الادارة المباشرة في الشركة
Trireme بمقرها في نيويورك، جيرالد هيلمان، خاشقجي لاول مرة في باريس وكان برفقته الصناعي السعودي البارز، والمستثمر المحتمل، الذي ولد بالعراق.

وبدأ كل شيء بسوء تفاهم تعمد الاميركيون تعميقه. فالرجل، ويدعى حرب زهير، كان يرى في هذه الصفقة فرصة سانحة للاتصال بصانعي القرار الاميركي من اجل طرح وجهة نظره عليهم، بل واكثر من ذلك، نقل ما يلتقطه من معلومات خلال اسفاره العديدة للعراق اليهم.

كان زهير يملك علاقات على مستوى القمة في النظام العراقي، وربما كان على صلة مع صدام حسين نفسه. وكان مؤمنا بامكان التوصل الى حل للمسألة العراقية عن طريق التفاوض. حدث هذا في ديسمبر، ولم يكن هم شركة
Trireme والمساهمين فيها سوى الحصول على استثمارات حتى لو كان مصدرها المملكة العربية السعودية. اما الفائدة من التفاوض السياسي مع زهير فلم يشغل بالهم لحظة، وان كان جيرالد هيلمان عضوا في مجلس السياسة الدفاعية، وهي هيئة ذات نفوذ كبير في البنتاغون يرأسها بيرل.

غير ان هؤلاء كانوا يعلمون انه لا بد من تطييب خاطر زهير، وان أي رفض قاطع لاقتراحه من شأنه ان يفوت عليهم فرصة الحصول على المائة مليون دولار التي وعد باستثمارها في شركته، فكان لا بد من ان يلعبوا اللعبة، وهو ما حدث فعلا.

وهكذا قام هيلمان في الايام التي تلت لقاء باريس، بتحرير مذكرة من 12 نقطة مؤرخة في 26 ديسمبر 2002 وتنص على نحو خاص، على ضرورة ان يقر صدام حسين «بتطويره لاسلحة الدمار الشامل وامتلاكه لها»، وهي الشروط التي رددتها ادارة بوش بعد ذلك بشهرين، وخلصت المذكرة الى القول: «اعتقد ان الولايات المتحدة ستتراجع عن فكرة ضرب العراق في حال تمت الموافقة على الشروط الاثني عشر المنصوص عليها، وسيسمح لصدام حسين بمغادرة البلاد مع ولديه وبعض وزرائه».

ولم يكن لهذه المذكرة ادنى شرعية رسمية، كما لم تنتج عن أي نقاش داخل الادارة. وهيلمان لم يكن يتوقع من ورائها شيئا على الصعيد الدبلوماسي، وكل ما كان يقصده هو خداع الصناعي العراقي - السعودي على امل الحصول على استثمارات منه.

وبعد مرور اسبوع واحد، بعث هيلمان بمذكرة ثانية جاء فيها: «عطفا على المحادثات التي اجريناها مؤخرا، فكرنا في القيام باختبار فوري يسمح بالتأكد من مدى صدق النظام العراقي»، وشملت المذكرة خمسة شروط جديدة، وجدها زهير مستحيلة، فيما اعتبرها خاشقجي طريفة وشبه سخيفة.

بدا مضمون المذكرة كنص كُتب بقلم احد الهواة وهو امر يسهل تفسيره اذا علمنا ان ابنة هيلمان، وهي طالبة في المرحلة الثانوية، هي من ساعده في كتابة هاتين «المذكرتين» اللتين اقل ما يمكن ان يقال فيهما انهما تتعلقان بمستقبل العالم وحرب تشنها اكبر قوة وحيدة في العالم في منطقة الشرق الاوسط، وقد اعترف هو نفسه بذلك وزاد ان بيرل لم يكن على علم بالرسالتين لدى توجيههما الى السعوديين، لكنه اطلع على الموضوع ولم يعلق عليه.

وغداة ارسال المذكرة الثانية، تم تنظيم مأدبة غداء في مارسيليا جمعت خاشقجي، وزهير وبيرل وهيلمان، وكان بيرل بمثابة «الطعم» حسب تعبير خاشقجي الذي اطلع الصحافي سيمور هيرش على ما دار في اللقاء، وكان زهير يريد التحدث عن رفع قيمة الاستثمار المزمع لمصلحة شركة
trireme مع الحرص على موضوع مستقبل العراق بشكل خاص، واستهل بيرل الحديث بلهجة مثيرة للدهشة قائلا انه يتسامى على المال وإن اهتمامه ينصب اكثر على السياسة وان «الصفقات تبرم عبر الشركة بالاحرى وليس عبر شخصي».

وبينما يقر بيرل انه لم يعلم ابدا بموضوع المذكرتين المرسلتين الى زهير، وانه لم يأبه كثيرا بالحلول التي اقترحها هذا الاخير، تبدو الاسباب التي كانت وراء لقاء مارسيليا غامضة، ويقول الامير بندر بن سلطان، سفير المملكة العربية السعودية الدائم لدى الولايات المتحدة وابن وزير الدفاع خالد بن سلطان معلقاً: «كان بحاجة الى فرصة لنفي القضية برمتها، وكان بحاجة الى تغطية للتمويه فتحجج بمبادرة السلام في العراق لكن (...) سبب اللقاء كان فعلا التفاوض بشأن صفقة تجارية».

ولا شك ان زهيراً ادرك ذلك مما يفسر الغاء مشروع الاستثمار.

لكن القضية اكتست لاحقاً ابعاداً لم تكن متوقعة ابدا اذ ترددت اصداء مذكرتي الطالبة الشابة بعد شهر من اللقاء الشهير بين بيرل وزهير، في صحيفة الحياة في مقالة حملت عنوان لا يخلو من دلالة: «واشنطن تعرض التراجع عن شن الحرب مقابل اتفاق دولي حول نفي صدام حسين» وذكرت «الحياة» في موقع آخر ان بيرل ومسؤولين آخرين قد قاموا باتصالات سرية من اجل تفادي الحرب.

وبعد مرور بضعة ايام، قامت «السفير» اللبنانية من جهتها بترجمة مذكرتي الانسة هيلمان وابيها ونسبتهما الى ريتشارد بيرل مباشرة.

وان دلت هذه القضية على شيء، فإنما تدل على ما يمكن ان يسفر عنه تداخل التجارة بالسياسة من نتائج مفاجئة تخرج عن نطاق السيطرة، حين تتداخل المصالح المالية بالسلطة فتنسج صلات شاذة، فبيرل الذي يكيل الانتقادات للسعودية من موقعه في الادارة الاميركية لا يتردد في التودد عبر الشركات التي يملك فيها حصة الى مستثمرين من هذا البلد، ويبدو التضارب في المصالح جليا في القضية، وان لم تنطوِ على اي خرق للقوانين. ولعل خير دليل على ذلك يتجسد في هيلمان، احد الشركاء في شركة
Trireme وعضو في مجلس السياسة الدفاعية الذي استغل دوره كمستشار في البنتاغون لخداع مستثمرين محتملين، فراح يعدد «الشروط» المزعومة التي يتعين على صدام حسين تلبيتها، لتفادي الحرب.

وقد جاء رد فعل ريتشارد بيرل على القضية التي كشفها الصحافي سيمور هيرش مثيرا للدهشة وذا دلالة، اذ وصف هيرش اثناء مقابلة اجراها معه المذيع وولف بليترز من قناة سي.إن.إن بـ«الارهابي» وحين طلب منه هذا الاخير توضيح كلامه استرسل قائلا: «انه لا يملك ذرة حس من المسؤولية (..) فهو فعل ذلك بغية الايذاء ويسعى له بأي طريقة وعبر اي تحريف ممكن..» ويبدو ان بيرل قد لجأ الى استراتيجية تجعل اخضاعه لاي تحقيق والتشكيك في مدى شرعية افعاله بمثابة مس بالامن العام.

متبنيا بذلك مقولة رئيسه «من ليس معنا فهو ضدنا» واستغلها لمصلحته. فحالة الحرب تعتبر من وجهة نظره مبررا كافيا لإسكات كل المنتقدين، حتى عندما يكشفون النقاب عن وجود تضارب فاضح في المصالح، وحالات التضارب هذه اكثر من ان تعد في نشاط ريتشارد بيرل. ففي فبراير 2000 عُيِّن هذا الاخير مديرا لشركة
Automnomy، وهي شركة بريطانية تعمل في قطاع التكنولوجيا المتطورة، وتحديدا في مجال اعتراض ما يدور على شبكة الانترنت من احاديث.

وفي اطار مكافحة الارهاب، حصلت الشركة أخيرا على عقد مجزٍ مع وزارة الامن القومي الاميركية، كما تعمل الشركة مع الجيش الاميركي وقوات البحرية بالاضافة الى القوات الجوية الملكية الاسترالية، وكعادته لم يخترق بيرل القانون بما ان مجلس السياسة الدفاعية الذي ظل يرأسه حتى عام 2003 (وما زال عضوا فيه) هو مجرد هيئة استشارية داخل البنتاغون. ومن موقعه هذا على هامش الادارة الاميركية لا يخضع بيرل للقيود نفسها المفروضة على الاعضاء المباشرين في الادارة، غير ان نفوذه الذي يمتد خارج اطار صلاحياته الرسمية دفع هيئة المراقبة المستقلة اي الجمعية الوطنية لصناديق التقاعد الى التساؤل عن وضع ريتشارد بيرل داخل الشركة، واعلنت هذه الهيئة عن نيتها في تقديم توصية بامتناع المساهمين في هذه الشركة اذا استمر «الصقر»، الذي تحول الى رجل اعمال، في منصبه بشركة
Autonomy البريطانية بعد انتهاء فترة رئاسته الحالية.

عقد بـ750 ألف دولار

بالاضافة الى ما تقدم حصل بيرل على عقد للعمل «كمستشار» لدى الشركة الاميركية غلوبال غروسينغ المفلسة، بهدف تسهيل عملية اعادة شرائها من قبل شركة
Hutchinson Whampoa، وذلك لسبب بسيط يتلخص في كونها تتوافر على شبكة هائلة من الألياف الضوئية التي تستخدمها على نحو خاص وزارة الدفاع الاميركية ومختلف الوكالات التابعة لها. والشركة مملوكة لأغنى رجل في «هونغ كونغ» وهو لي كاشينغ الذي تربطه علاقات قديمة مع النظام الشيوعي في بكين.

ولذلك لا يريد البيت الابيض ان تقع انظمة الاتصال الحساسة هذه في يد نظام طالما اعتبر معاديا. وهنا دخل ريتشارد بيرل في اللعبة بعقد قيمته 750 الف دولار كانت 600 الف منها تعتمد على موافقة السلطات الاميركية على عملية البيع. وجاء في مذكرة مؤرخة في 7 مارس، ان موقع بيرل كرئيس لمجلس السياسة الدفاعية يخوله «تكوين وجهة نظر فريدة» و«معرفة عميقة» بالقضايا الامنية والدفاعية التي قد تثيرها لجنة الاستثمارات الخارجية المخولة منع بيع شركة هاتشينسون وامبوا.

وقال بيرل لصحيفة نيويورك تايمز ان الوثيقة حررها محامون وانه لم يتنبه لهذه الجملة. ثم تدارك في وقت لاحق، زاعما انها وردت في نسخة سابقة، وانه قام بشطبها لكن شخصا ما تعمد ادراجها في الوثيقة النهائية دون ان يتنبه لذلك.

ومهما يكن من امر هذه الجملة الشهيرة، فمن الواضح ان منصبه كمستشار للبنتاغون وموقعه شبه الرسمي كمنظر المحافظين الجدد، قد لعبا دورا حاسما في اختيار بيرل لترؤس الفريق المفاوض.

وفي مطلع عام 1989 كانت صحيفة وول ستريت جورنال قد كشفت وجود شركة تمثل الحكومة التركية وتحمل اسم آي. ايه. آي
International Advisors Inc وتهدف الى تشجيع «المعونة الاميركية وبيع العتاد العسكري الاميركي لتركيا». وغني عن التذكير هنا بأن هذه الاخيرة تعتبر الحليف العسكري الأضمن لاسرائيل في المنطقة.

ومرة اخرى كذَّب بيرل وجود اي علاقة تربطه بهذه الشركة على نحو مباشر، زاعما انه «مستشار» لها. وهذا صحيح ما دامت الشركة مسجلة باسم «صقر» آخر هو دوغلاس فيث، المستشار الخاص السابق لبيرل. وقد جنى من ورائها مئات الآلاف من الدولارات مثلما جناها من مكتب المحاماة الذي كان يملكه
Feith & Zell واكتسب مكانة كبيرة بين زبائنه مثل شركة نورثروب غرونمان مصنعة القاذفات B2 والمقاتلات F18، والطائرات من دون طيار وكلها تستخدم بكثافة في العراق.

إذ كانت زوجة نائب الرئيس الاميركي لين تشيني، عضوا في مجلس إدارة هذه الشركة حتى فبراير 2001. ويمثل ديك تشيني مثالا صارخا على هذا التقارب بل الحميمية التي تجمع السلطات السياسية بقطاع الصناعة الحربية. غير ان هذا الأخير يختلف عن ريتشارد بيرل وبول وولفويتز، ودوغلاس فيث وايليوت أبرامز بعدم ارتباطه باسرائيل بأي علاقة خاصة، لكن مسيرته طبعتها صبغة التطرف الصريح وخصوصاً فيما يتعلق بالسياسة الداخلية الاميركية وماضيه يزخر بمواقف وقرارات محرجة إذ رفض المصادقة على البرامج الغذائية التي وضعت لمصلحة الاطفال المعدمين في اميركا (1986)، والموافقة على جمع المعلومات حول تنامي الجرائم العنصرية، ومنح مساعدة غذائية للاشخاص المسنين (1987).

والقول نفسه ينطبق على موقفه من البيئة اذ صوت ضد قوانين عدة وضعت لحماية المياه والهواء، وأنواع الحيوانات المهددة بالانقراض. وموقفه هذا لم يكن نابعا من قناعاته السياسية بالضرورة بقدر ما هو نابع من مجال اختصاصه «كرجل نفط».

والواقع ان التصريحات القوية التي أدلى بها خلال عام 2000 عن تشدده ازاء العراق لم تكن سوى تمويه انتخابي بالنسبة الى رجل «تزوج» النفط. وقد كشف تقرير سري أعدته منظمة الأمم المتحدة ونشرت صحيفة واشنطن بوست اسماء مختلف الشركات التي تعاملت مع نظام بغداد وتفاصيل الصفقات المبرمة. فاضطر تشيني الى الاعتراف بالحقيقة متذرعا بانه لم يكن على علم بعلاقة الشركتين الفرعيتين مع العراق لدى شرائهما.

غير ان رئيس
Ingersoll - Rand جيمس أ. بيريلا اكد لواشنطن بوست ان تشيني كان على علم بالصفقة.

والواقع ان شركات مثل هاليبرتون ساهمت عبر مجموعة فروع ووسطاء في تكدس الثروات التي اكتشفها الجنود الاميركيون في القصور الرئاسية. فقيمة الصادرات العراقية من النفط قفزت من 4 مليارات دولار في عام 1997 الى 10 مليارات بعد ذلك بثلاث سنوات. وما كان هذا الارتفاع ليتحقق لولا الحصول على التكنولوجيا الاجنبية وقطع الغيار وغير ذلك من اللوازم غير المتاحة داخل العراق.

غادر ديك تشيني هاليبرتون حاملا معه 45 مليون دولار، ومطوقا بامتنان على ايصالها الى ارفع مقام في اوساط السلطة في الداخل والخارج (وخاصة في العالم العربي). ولكن ماذا عن ولائه؟ هل هو لعالم الاعمال أم لعالم السياسة؟ ان من يراقب الحرب الدائرة والمجازفة العظيمة، التي اقدمت عليها واشنطن بمصداقيتها، يفترض ان دوافع تشيني كانت سياسية فعلا، لكن الامور تكتسي بعدا مغايرا حين يتأمل ما بعد الحرب.
فقد حصلت شركة هاليبرتون على أهم العقود واجزاها في مجال اعادة اعمار العراق. وذلك حتى قبل ان يهدأ هدير الآلة الحربية، وفي ظروف غير مألوفة البتة. فأميركا تعد من اكثر البلدان شفافية، وخاصة في مجال المناقصات ومع ذلك فلم تواجه هاليبرتون اي منافس على السوق العراقية المغرية.
وفي الوقت الذي كان جورج دبليو بوش يصرح بان «نفط العراق ملك للعراقيين»، تبين في يوم 12 مايو ان عقدا ابرم مع الجيش من دون اعلان مناقصة مرّة اخرى يقضي بمنح أحد فروعه، الذي يعرف اختصارا بـ
KBR، امتيازا في جزء من النفط العراقي، وهي شركة تحمل اسم Kellog Brown & Root
تعمل في مجال الامدادات اللوجستية وتربطها شبكة علاقات وثيقة مع الجيش الاميركي يعود تاريخها الى زمن حرب فيتنام. وهي بمنزلة شقيق سيامي (مدني) للمؤسسة العسكرية. وقد استفادت كثيرا من علاقات ديك تشيني خلال السنوات التي قضاها على رأس هاليبرتون، وحتى قبل ان يخوض غمار الاعمال.
وأي مشروع في مجال الصيانة او سلاح الهندسة سواء في الداخل او الخارج يُعهد به الى هذه الشركة التي تولت في جملة مشاريع اخرى، بناء معتقل غوانتانامو بالاضافة الى عدة قواعد ومعسكرات اميركية في مختلف انحاء العالم. ومنذ بدء الحرب على الارهاب، ازدهر وضع الشركة، ويبدو ان مستقبلا مشرقا ينتظرها بفضل الجيش الاميركي من جهة وعملية اعادة اعمار العراق من جهة اخرى. ومن الصعب ان نتصور الا يكون لديك تشيني ايضا يد في ذلك. فهو طيلة فترة رئاسته لهاليبرتون كان يدير شؤون فرعها هذا بشكل مباشر تقريبا. حتى ان المجموعة كانت تعتبره بمنزلة قيمة ثمينة بفضل علاقاته الواسعة مع مختلف الحكومات في العالم. ويقول الرئيس السابق لهاليبرتون: «كانت كل الابواب تفتح في وجهه بينما قال رئيسها الحالي: «لو ذهبت الى مصر او الكويت او عمان وحدي فان الشخص الذي يمكنني لقاؤه هو وزير النفط. اما مع تشيني فقد كنا نذهب لرؤية السلطان في عمان والامير في الكويت دون ان تكتسي الزيارة طابع الرسمية اذ نذهب لتناول الشاي وتبادل اطراف الحديث..».
وكلما نمت علاقات ديك تشيني مع القادة العرب وغيرهم زادت معها ارباح الشركة (...)، ويبدو ان هذا الاخير قد نفخ روحا جديدة في هذه الشركة التكساسية الهرمة المعروفة بتعاطفها مع التيار المحافظ المتطرف والتي كانت لاتزال تفتقر الى الصيت الدولي، حسب تعبير المحلل النفطي فرد موتاليبوف، وهو ما حققه لها رئيسها الجديد وعزز حضورها في اسواق مختلف الحكومات.
وفي مطلع عام 2002 اعلنت شركة هاربيسون والكر للتأمين المتعاقدة مع هاليبرتون افلاسها فبدأت اوساط وول ستريت تتساءل عن مدى صمود العملاق النفطي في وجه هذه الازمة. ومنذ ذلك الحين، اثار خروج تشيني من هاليبرتون للمشاركة في الحملة الانتخابية لجورج بوش عام 2000 كثيرا من الجدل، اذ اعتبره منتقدوه وكثير من الاميركيين الذين هزتهم الازمة المالية، كفرصة سمحت لنائب الرئىس المقبل ببيع اسهمه وهو يعلم بما ينتظر اسعار اسهم الشركة من انهيار. وجنى تشيني من ذلك 30 مليون دولار، محتذيا حذو جورج دبليو بوش حين قام في نهاية الثمانينات ببيع اسهمه في شركة هاركن النفطية في ظروف مثيرة للجدل. وقد باع تشيني اسهمه بحوالي 52 دولارا للسهم الواحد وبعد عامين من ذلك انهار السعر الى 13 دولارا فقط.

 

علاقات تشيني بالخليج

اقام تشيني خلال تسلمه مختلف المناصب علاقات صداقة شخصية متينة في كل بلدان الخليج، وخاصة في الدول الصغيرة العزيزة على قلبه والتي تستقبله بمودة كبيرة.
جاءت احداث 11 سبتمبر والحرب على الارهاب ليمثلا معا بالنسبة إلى الصقور الموالين لاسرائيل «فرصة حقيقية» لتنفيذ السياسات التي طالما دعوا اليها بدون ادنى تعديل. وليست الحرب في العراق سوى خطوة اولى في سياسة المحافظين الجدد في الشرق الاوسط التي تنبع من ارادتهم الصلبة في المساهمة في ضمان امن اسرائيل الاقليمي عبر اضعاف اعدائها بالتدريج مثل العراق وسوريا لمصلحة حلفاء مثل الاردن.
ولئن كانت اهداف تشيني تختلف تماما عن اهداف هؤلاء الا انها تندرج بدورها في اطار مشروع اعادة رسم خريطة الشرق الاوسط الذي يجري تنفيذه اليوم. فاسرائىل لا تشغل بال نائب الرئىس الاميركي او على الاقل ليست بحماسة بيرل ووولفويتز وفيث وابرامز نفسها، بينما تستهويه فكرة توطن الشركات النفطية الاميركية بشكل دائم وحصري في بلد قد يتحول الى ثاني منتج نفطي في المنطقة.
وخلاصة القول ان ايا من الفريقين لا يتسم بالنزاهة، فالصقور يمثلون مصالح اولئك الذين يعتقدون ان اسرائىل لن يتحقق لها النصر الا بالقوة، وتشيني يمثل عمالقة النفط بالاضافة الى اليمين المتطرف الاميركي هو وزوجته. وابرز ما يطبع الفترة الراهنة التي تمثل انعطافة مهمة في تاريخ العالم، هو ذلك التواطؤ بين مدرستين فكريتين فرق بينهما كل شيء ووحدتهما اخيرا ساحة المعركة في العراق.
مهما يكن من امر النظرة السائدة الى النظام الاميركي فإن المسؤولين السياسيين في هذا البلد يخضعون لضغوط، لا وجود لها في اي بلد آخر، تفرض شفافية تامة في مجال الانشطة التجارية الخاصة للشخصيات البارزة في السلطة، اذ تتولى الصحافة والهيئات المعنية بالرقابة التنقيب في ادق تفاصيل حياتهم، وماضيهم ومختلف نشاطاتهم. ولاشك ان ثمة شيئا قد تغير اليوم، فإدارة بوش غيرت امورا كثيرة في الخارج، كما في واشنطن، في اسلوب ادارة الشؤون السياسية للبلاد. فظاهرة اللاعقاب التي يبدو انها تسود اليوم تخفي وراءها تغيرا عميقا حيث الولاء لقائد بعينه يكتسي اهمية متنامية تتراجع معها القيم والاخلاق الى المرتبة الثانية.
فبوش في حالة حرب، والحرب نادرا ما تكون نظيفة، والاولوية على ساحة المعركة ليست لحسن التصرف ولا للتهذيب ولا للمبادئ بل لما يدين به كل من يعملون في خدمتك من ولاء. فما يريده بوش هو معاونون مخلصون. وما عدا ذلك لا يهم كثيرا.
ويبدو ان جل افراد الفريق الحالي في البيت الابيض يعيشون في عالم مغلق وفوق النقد. وحماية بوش لفريقه من الانتقادات والعقاب لا يمنحهم القوة بل يضعفهم ويجردهم من المصداقية في نظر المجتمع الدولي. ومهما بلغت الخصومات بين اعضاء الادارة يتجنب كل مسؤول فيها كشف الاخر خشية ان يأتي عليه الدور في يوم من الايام ويمثل قانون الصمت هذا ابرز سمة في الفترة الحالية.

 


هاليبرتون


حين غادر تشيني البنتاغون في يناير 1993 بأمر من الرئيس بوش الأب، ذهب ليترأس الشركة النفطية العملاقة هاليبرتون. وهي شركة متعددة النشاطات وتملك تاريخا زاخرا بالاضطرابات والدسائس. ولفهم مسيرة تشيني لا بد من فهم ماهية هاليبرتون، لأن الامر لا يتعلق بشركة واحدة بل بشركات عدة تعمل في ميادين مختلفة بينها مد انابيب النفط، وبناء السجون العسكرية وتزويد القواعد الاميركية في افغانستان، على سبيل المثال لا الحصر، بالامدادات اللوجستية، وتتولى التفاوض، عبر فروعها، مع حكومات الدول التي تصفها ادارة بوش بالارهاب، وكذلك أبرز الدكتاتوريات في العالم.
هاليبرتون اذا هي افعوان ليس برأسين فقط بل بخمسة او عشرة رؤوس. وتلقي كثير من فروعها الضوء على البون الشاسع بين ما يقال في الخطابات الرسمية وما يجري على ارض الواقع في مجال الاعمال.
عُيِّن تشيني عام 1995 على رأس هاليبرتون التي يتصدر قائمة نشاطاتها التنقيب عن النفط ونقله. وكان العراق يمثل زبونا محتملا رغم الحظر المفروض عليه، غير ان تشيني كان حاسما في تصريحه لقناة ايي.بي.سي عام 2000 إذ قال: «انا اعتمد سياسة حازمة تجاه العراق تنص على عدم التعامل بتاتا مع هذا البلد، ولو عبر ترتيبات قد تبدو قانونية». وفي عام 1998، كان تشيني رئيسا للشركة حين عمدت الى شراء شركة
Dresser Industries التي كانت قد شرعت في بيع معدات نفطية لبغداد عبر شبكة معقدة من الفروع الى جانب شركة Inger soll-Rand co لكنه رغم «حزمه» لم يمنع هذه التجارة. وهكذا باعت Dresser Industries و Inger soll-Rand، بصفتهما فرعين لهاليبرتون مضخات معالجة، وقطع غيار خاصة بمعدات نفطية، وتجهيزات انابيب نفطية للعراق عبر أفرع فرنسية بين عامي 1997 و2000 ويجدر التذكير هنا بأن فرنسا اتهمت من قبل الاميركيين بالوقوف ضد حرب الديموقراطية التي دعا اليها تشيني فقط من اجل مصالحها في العراق. ولعل قمة الوقاحة تتمثل في محاولة Inger soll Dresser Pump
توقيع عقد (اوقفته الادارة الاميركية آنذاك) لاصلاح منصة نفطية دمرتها القوات الاميركية خلال حرب الخليج الأولى بقيادة ديك تشيني نفسه الذي كان انذاك وزيرا للدفاع
انتهى

 

 

 

( 3 ) رحلة السيد هبة الدين الشهرستاني

الى سلطنة عمان والخليج العربي

جواد كاظم البيضاني

مورخ /عراقي

 

http://www.akhbaar.org/wesima_articles/articles-20101006-97913.html

 

     لا شك ان الدوافع وراء القيام بالرحلات يختلف بين شخص واخر فمنهم من يقوم بذلك سعيا وراء المال واخرون يسعون وراء طلب العلم بيد ان هناك اشخاص يقومون بهذه الرحلات بدوافع اخرى تتمثل بالاصلاح والدعوة وهؤلاء رغم قلة عددهم الا انهم سجلوا لنا ملاحظات اتصفت بدقتها ومصداقيتها مع ما تميزت به من امانه في الوصف والتقصي في تسجيل مشاهداتهم بمنتها الدقة .

ومن هؤلاء السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني الذي بدأت رحلته من بغداد عام 1331هـ وصولا الى الهند في فترة هي من احرج الفترات التي مر بها العالم حيث اعطى لنا وصفا للاوضاع السياسية والاقتصادية في منطقة الخليج العربي والهند .

    ان السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني في وصفه للمدن كان يهتم بالجانب الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ولم يقتصر وصفه على هذين الجانبان بل اهتم بالجانب الثقافي ايضا .

حيث سجل لنا الاوضاع العامة في منطقة الخليج وطبيعة السكان والموارد الاقتصادية وبعض القيم والعادات الاجتماعية ومن نوادر ما كتبة هي حواراتة مع امير البحرين وسلطان عمان وعلاقتة مع حاشية امير البحرين وسلطان عمان وشرحة لمظاهر الحياة العامة في الاهواز والكويت والبحرين وسلطنة عمان مع ما ورد في رحلته من اشارات الى بعض جزر ومدن الخليج مثل الاحساء والقطيف وقطر ودبي .

   ومما تركه لنا من كنوز حواره مع سلطان عمان فيصل بن تركي والذي عرفه بـ:" سلطان عمان المفخم ادام الله سلطته واقام له مملكته جلال الملك المعظم فخر امراء العرب والعجم مثال طيب الاخلاق وحسن الشيم حضرة السيد فيصل خان" وسمى هذا الكتاب ( فيصل الدلائل في اجوبة المسائل) والذي تحدث فيه عما دار بينه وبين السلطان من حوار فكري وسياسي وقد سجله لنا على النحو الآتي :-

1- دعوة المسلمين الى الاتفاق على محافظة الدين.

2- عدد الجيش الداعين الى النصرانية .

3- الوسيلة الى ارتقاء الامة .

4- سبب اختلاف ايران .

5- اصلاح الاحوال في زمان الحال .

6- اصلاح الافكار اساس لكل اصلاح .

ثم عرج على جوانب فقهية وفلسفية وعلمية .

وما جاء في الصفحة الاولى :"اما بعد فقد وفقني ربي عز شأنه اثناء رحلتي الى الهند سنة 1331هـ لزيارة حضرة السلطان المعظم الامير الكبير المفخم فخر ملوك العرب والعجم جلالة السيد العربي فيصل بن تركي سلطان عمان خلد الله ملكه وسلطانه وخذل حساده وعدوانه، فدارت فيما بيننا مذكرات علمية ومسائل دينية ما عدا المحاورات الانسية والازهاد الروحية التي اقتطفها من اخلاقه المرضية وطلعته الوطنية ولم اَرَ (والحق يقال) مثل حضرته رؤوفا برعيته محبوبا في قلوبهم جليلا في اعينهم يحب العلم والبحث عن اسراره" . ثم يقول :"وكان دام سلطانه يتفضل على بسؤال والمذكراة او يأمر وزرائه والحاضرين الكرام بالقاء الاسئلة النافعة على هذا الفقير فلتمسني  ثمة بعض الاخوة العظام ان اجمع له شطرا من هاتيك المسائل المجابة بالايات والدلائل مفصلا لبعض المجملات اخلادا لذكراه الجميل وتعجبا لنفعه الجزيل وهو يحسب من ظنه ان طلاب العلم والباحثين سوف يعلقون عليها اهمية كبرى .... ".

والحقيقة ان السيد هبة الدين سجل لنا بعض ما قاله للسلطان منها قوله :"ما دامت وطئة الفقر والجهل شديدة على هذه الامة فأنها مهددة بالفناء من دون ريبة" ثم تحدث لنا عن لطف السلطان واخلاقه .

ولم يكتفي السيد بذلك بل دون لنا جوانب مهمه من الاوضاع العامة في مجمل الخليج العربي غير اننا سنتحدث عن هذه الجوانب بتسلسل مبتدئين بالجانب السياسي ثم الاقتصادي ثم الاجانب الاجتماعي بعد ذلك نتحدث عن الاوضاع العامة في الخليج ولكن قبل ذلك لابد لنا من التعريف بالسيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني .

فمن هو ؟ وما هي دوافعه وراء رحلته تلك ؟ وما هي ابرز مناصبه التي شغلها بالعراق ؟ 

 

   نشأ السيد علي بن الحسين العابد بن محسن الصراف العروف بهبة الدين الشهرستاني في أسرة علمية ، فوالده الحسين (ت1219هـ/ 1902م) من علماء سامراء كان له دور في :((ان يغرس مداركه حب العلم ويذكر سجايا الصالحين)) ؛ كما ان والدته السيدة مريم (ت1240هـ / 1922م) كان لها أثر واضح في توجهه وميوله الفكري   بيد ان بيئة سامراء وخلال تصدي الميرزا محمد حسن الشيرازي لقيادة الحركة العلمية فيها تركت بصماتها الواضحة على بنائه العلمي وميوله المستقبلي    .

    غادر السيد الى كربلاء حيث تلقى علومه الأولية فيها، ثم انتقل الى مدينة النجف الاشرف بعد وفاة والده ، ليكمل تحصيله العلمي هناك   فمدينة النجف من المراكز العلميه والديني في العراق    .

لقد تركت حركة الإصلاح الديني التي ظهرت في العالم الإسلامي أثرا كبيرا انعكس على مسيرته المستقبلية وتوجهه الفكري يقول ذلك :((واتصلت بالحركة الجديدة . كنت أقرأ الكتب والمجلات الجديدة ، وكان لي شغف بكل جديد ... ومن هنا قرأت الفيزياء والكيمياء والرياضيات وكنت أدعو إلى الأخذ بالعلوم الحديثة وبدأ النجفيون يعارضونني لكنني استطعت ان أجتذب لي حزبا من الشباب))   ويعرف هبة الدين دعوته تلك بالقول :((وكان(حزبنا) يدعو الى نشر العلوم الجديدة والتجديد))   .

والحقيقة فان هبة الدين بطروحاته ودعواته يميل الى الإصلاح، فهو يدعو إلى عودة الإسلام الى منابعه الأولى ونبذ الخرافات والبدع التي دخلت عليه، يقول في ذلك :(( إن تلك الإخطار المبيدة لا تتبدد ولا تبيد الا بنشر العلم وتعميم التربية الدينية ومحو البدع والخرافات من صحايف طرائق المسلمين)) وركز في دعوته على التحرر من الفقر والجهل لأنه يرى ان هذاين العاملاين من اشد المخاطر على الأمة حيث يقول :((وما دامت واطئة الفقر والجهل شديدة على هذه الأمة فإنها مهددة بالفناء من دون ريبة))   .

     هذه الدعوات والطروحات دفعت الشباب الى الانجذاب إليها رغم المعارضة التي واجهها من قبل كثير من النجفيين ويبدو ان دعواته الى دراسة العلوم الحديثة من فيزياء وكيمياء ورياضيات دفعت الكثير من منافسيه لألساق التهم إلية     .

ووفقا لما نقلته (صابريا ميرفان)   فإن اهتمامات هبة الدين الشهرستاني تبدو واضحة بالعلوم الحديثة ، محاولا تفسير بعض الظواهر الكونية بالقرآن . ويمكن ان نرى ذلك بوضوح في تعليقه على معجزات القرآن فيرى ان أسرار العلوم تتجلى على أوجه التدرج حسب تدرج الحضارة وارتفاع البشر وحسب تدرج علمه وتلون حضارته ويعتقد ان آيات القرآن الكريم (العلمية) تفسر في عصر الرسالة على قاعدة تختلف عن ما فسر في عصرنا الحاضر ويحاول تفسير ذلك من خلال بعض الأمثلة منها قوله ان :((حركة الأرض لو صرح بها الله عز وجل في عصر الرسالة كآية محكمة لرماه الناس وهو لا يتفق والحس والعقل في ذلك الزمان اما لو صرح القرآن بكون الارض على وجه محكم لكان أهل عصرنا ينتقصون علم القرآن فكان القرآن في جمود على المحكم إما خسرا لايمان أهل ذلك العصر واما خساسرا هذا العصر)) .

وعلى ما يبدو فان تأثره بجمال الدين الأفغاني (ت1897م) دفعه للاهتمام بهذه العلوم ؛على ان هذا الاهتمام وفق رواية هبة الدين كان محط معارضة من بعض النجفيين والحقيقة فان آراء جمال الدين الأفغاني يمكن ان تلاحظ في طروحاته وهو ما دفع علي الوردي للأعتقاد ان هبة الدين الشهرستاني اول المتأثرين بجمال الدين الأفغاني في العراق    . وربما يرى ذلك بوضوح ، فكلاها دعا الى وحدة المسلمين وحثهم لدراسة العلوم الحديثة ، مع مناهضتهما الواضحة لبريطانية والدول الاستعمارية ....ثم تبنيهما منهج جديد في الدعوة من خلال رحلاتها ، ودعوتها الى أخراج الشوائب والبدع من الدين  .

وعلى الرغم من ان هبة الدين كانت له اتصالات كبيرة وعديدة مع المصلحين وحركات الإصلاح التي ظهرت في العالم الإسلامي غير ان ذلك لا يعطي الحق في اعتبار توجهه وطروحاته وأرائه ومنهجه هو نسخة من طروحاتهم ومناهجهم وأرائهم فلهبة الدين منهجه الفكري وآراءه العلمية رغم تأثره بهؤلاء الاعلام . فهو لم يخفِ تشيعه بل دعا الى المذهب وبشكل واضح ،مع دعواته الواضحة الى ضرورة الإصلاح الجذري، يقول في ذلك  :((ينبغي تذكير رؤساء الشيعة ومتنفذيها بإصلاح فرقة الشيعة ومحاربة عوامل الفساد الطارئة عليهم)) ويعتقد ان هذه العوامل طارئة وتمثل تهديد لمذهبهم وكيانهم .

ثم انتقد العثمانيين وهذا ما لم نره عند جمال الدين الذي يعد من المقربين من البلاط العثماني في مرحلة من حياته   .

لقد عرض هبة الدين آراءه وأفكاره وطروحاته في مجلة (العلم) ، وهي اول مجلة صدرت باللغة العربية في العراق عام 1327هـ / 1909م وكانت المجلة تطبع في بغداد لعدم توفر مطبعة في مدينة النجف الاشرف وقد استمرت هذه المجلة بالصدور لمدة سنتين  حاول خلالها جمع كلمة المسلمين وتوحيدهم وبث روح الإصلاح في نفوسهم ، كذلك قام بجولة في منطقة الخليج وإيران والهند والحجاز وسوريا ، حيث دعا الناس الى نبذ البدع  والخرافات التي لا تمت للدين بأي صله  ، يعتقد هبة الدين إن معالجة البدع تبدأ من خلال تصحيح سند المنقول والابتعاد عن الشواذ والإخبار الضعيفة التي تشبه (اساطير الاولين) .

استمر هبة الدين بدعواته الإصلاحية حتى وفاته فجر يوم الاثنين 26 / شوال 1386هـ الموافق 6 / شباط / 1967 حيث دفن في مكتبته(مكتبة الجوادين العامة) التي اسسها داخل الصحن الكاظمي الشريف    

    وللحديث بقية       

  =======

 

([1])       مجلة الاسبوع ،العدد 4028،ص6؛محمد مهدي العلوي،هبة الدين الشهرستاني ص6.

([2])       اسماعيل الجابري،هبة الدين الشهرستاني،ص 23؛محمد حسن الشيرازي(ت1312هـ-1896م)من كبار علماء الشيعة في عصره كان له دورا مهم في حركة التشيع في عصره،ينظر:اغابزرك الطهراني،طبقات اعلام الشيعة،(النجف الاشرف،المطبعة العلمية ،1375-1955م)ج1،ص436.

([3])       محمد مهدي ،هبة الدين الشهرستاني،ص16.

([4])       مدينة النجف الاشرف من المراكز العلمية المهمة ،بل لها القيادة الدينية في العراق والعالم الاسلامي،ينظر: حسن شبر،تاريخ العراق السياسي المعاصر،ط1،(لندن،دار المنتدى،1990)،ص180.

([5])       مجلة الاسبوع،العدد4028،ص6.

([6])       م.ن،ص6.  وردت كلمة حزبنا والمقصود بها على ما يبدو الشباب الذين تاثرو بالسيد هبة الدين ومنهم(الشيخ محمد رضا الشبيبي،الشيخ علي الشرقي السيد حسين كمال الدين..الخ)،ينظر:م.ن،ص6.

([7])       هبة الدين الشهرستاني ،فيصل الدلائل في اجوبة المسائل ،مخطوطة ،ص5.

([8])       اشار الباحث الى ابرز الشباب الذين تاثروا باراء السيد في مدينة النجف ،اما ما تعرض له من مضايقات في مدينة النجف بسبب افكاره فقد ذكرها السيد مع ان الكثير من المؤرخين قد تطرق اليها ،ينظر:مجلة الاسبوع،العدد،4028،14،12،1957،ص6؛حسن شبر، تاريخ العراق السياسي المعاصر،ص138.

([9])       صابرين ميرفان ،حركة الاصلاح الشعبي،ترجمة:هيثم الامين،(دار النهارللنشر،بيروت،2003)ص40.

([10])      هبة الدين الشهرستاني،المقدمة،(ص د)،لكتاب ابن شهراشوب المازندراني المعنون متشابه القرآن ومختلفة،ج2،(طهران،شركة سامي،طبع كتاب ،1328هـ).

([11])      علي الوردي، الفيلسوف الثائر السيد جمال الدين الأفغاني، حققه وقدم له: عبد الحسين الصالحي، ط1، (مؤسسة البلاغ للطباعة والنشر، 1430هـم2009م)، ص2123.

   جمال الدين الأفغاني: هو جمال الدين بن صفدر بن علي بن شيخ الإسلام المير رضي الدين محمد الحسيني بن القاضي أصيل الدين محمد ينتهي نسبه إلى يحيى بن عمرو بن الإمام زين العابدين بن الحسين السبط، تعرف أسرته بأسرة شيخ الإسلامي ويقال آل الجمالي: من الأسرة العلوية العلمية التي ما تزال لها القدم في أسد آباد، ينظر: علي الوردي، جمال الدين الأفغاني، ص ص13-14.

([12])      طرح السيد هبة الدين الشهرستاني أراءه بشكل كبير في مؤلفاته التي نحن بصددها أي كتاب البندريات، أو مخطوط فيصل الدلائل، للمزيد، ينظر: هبة الدين الشهرستاني، البندريات، مخطوط، ص ص444-445؛ فيصل الدلائل، مخطوط، ص ص4-6..

([13])     م.ن، ص445؛ لقد دعى هبة الدين إلى تأسيس جمعية لإصلاح الشيعة سماها (جمعية أصلاح الشيعة وإرشاد شيوخ العشائر) وهو بذلك يكشف عن انتمائه الواضح بعكس جمال الدين الأفغاني. ينظر: هبة الدين الشهرستاني، البندريات، ص432.

 

([14])      عاش جمال الدين في بلاط العثمانيين وكان في مرحلة من حياته من المقربين للسلطان، في الوقت الذي يصف هبة الدين قوانين العثمانيين بالاستبدادية وقد يتناقض هذا الانتقاد مع دوره في الدعوه للجهاد إلى جانب العثمانيين غير أننا نعتقد أن التغير الذي حدث بعد الإطاحة بالسلاطات، ودعوة الإصلاح التي قادها الاتحاديين كذلك اعتقاد هبة الدين الشهرستاني أن الحرب التي تحدث إنما هي بين المسلمين وأعدائهم الأمر الذي دفعه للوقوف إلى جانب المسلمين ينظر: هبة الدين، البندريات، ص426؛ علي الوردي، جمال الدين الأفغاني، ص195؛هبة الدين الشهرستاني،الخيبة في اسرار الشعيبة،مخطوط.

([15])      حسن شبر، تاريخ العراق السياسي المعاصر، ص137؛ مجلة الأسبوع، ص7.   

 

([16])     وضع هبة الدين الشهرستاني لائحة في رحلته التي دونها في مخطوطة البندريات تتألف من (26) نقطة دعا فيها إلى حركة إصلاحية كبيرة في المذهب الجعفري ومما ذكر في هذه الوثيقة المهمة:

-       "تركهم للشعائر والسنن الموجبة للحياة وروح النهضة كالجمعة".

-       رواج سب العلماء والزعماء بينهم.

-       مفاسد أمر التشبيه والتطبير واللطم فيهم.

-       شيوع الخلافات.

    ينظر: هبة الدين الشهرستاني، البندريات، ص ص444-445.

([17])     هبة الدين الشهرستاني، فيصل الدلائل، مخطوط، ص13.   

 

([18]) مهدي العلوي، هبة الدين الشهرستاني، ص75؛ مقابلة مع السيد أياد السيد جواد هبة الدين، 18/6/2008.

 

 

 

 

 

 

(4) هيكل للجزيرة : سوريا لم توقع مع اسرائيل ...

وثوار البحرين ظلموا لانهم شيعة ..

والدور قادم على السعودية ودول الخليج

http://www.alhassannet.com/?p=qalam&id=284

 


June 10 2011 22:48

تطرق محمد حسنين هيكل في حديثه الاخير لمحطة الجزيرة الى الوضع في البحرين وسوريا ... فقال ان سوريا لم توقع مع اسرائيل وان هذا يفسر التعاطف الكبير معها عربيا وشعبيا وقال ان ثوار البحرين ظلموا لانهم شيعة لان العرب استبدلوا الصهينة بالتشيع كما تطرق في حديثه الى مبارك والقذافي

وقال هيكل ان ما تشهده سوريا التى وصفها بأنها «أصعب بلد تشهد عملية تغيير ، لأنها تعانى ظروفا معقدة»، شارحا : « الرئيس بشار حاول أن يغير ولكنه ليس حرا فى اتخاذ قراره، والأمر معقد فى سوريا. ففى تونس على سبيل المثال، كنا نتحدث على رئيس وأسرة حاكمة أما فى سوريا فنحن نتحدث عن علويين وحزب حكم طويلا، وله قواعد كبرى فى البلاد».وأبدى هيكل تخوفه من «امتداد الفراغ الذى يعانيه العراق إلى سوريا ، مما يجعل العالم العربى مقبلا على تفريغ استراتيجى مهم، لأن سوريا امتداد استراتيجى مهم على البحر الأبيض المتوسط». وقال: « عملية تغيير سوريا، قد تؤثر كثيرا على الموازين فى المنطقة». وأضاف :  التغيير واجب، على شرط أن يلزمه الحرص والتخطيط لجداول أعمال»، وتابع: الرئيس بشار قد سبق له ودعانى لزيارته فى سوريا أكثر من مرة وكنت اعتذر له وأبلغه أن زيارتى توقع بى فى وضع قد يضعف موقفى تجاه ملف التوريث فى مصر

ولفت إلى إغفالنا التساؤل حول ما الذى تفعله إسرائيل فى الأزمات التى تمر بها المنطقة العربية»، وحول التخوف من الممارسات الإسرائيلية عقب وأثناء الثورات العربية، قال: «إسرائيل تدخل من ثغرات من صنع العرب أنفسهم.. والذى يتمكن من التعامل معها بشكل واع يضيع عليها استغلال الدخول من أى ثغرة.. اسرائيل وغيرها من الخصوم تنفذ من ثغرات من صنعنا نحن، وإسرائيل تعلم أن الجولان لن تعود بالتفاوض، وعندما تنظر إلى المستعمرات هناك تتأكد أنها لن تزاح من الجولان سوى بالقوة

وانتقل هيكل إلى الثورة فى اليمن، مبديا قلقه مما تشهده من تغييرات لطبيعتها الجغرافية والقبلية، موضحا أن «ظروف الانتقال من القبلية إلى الدولة أمر صعب للغاية»، متخوفا من «إمكانية إقبال اليمن على حرب أهلية»،وتمنى هيكل أن يكون لمصر والسعودية دور فى عملية تيسير انتقال اليمن.وفى تقييمه للوضع على صعيد الثورة الليبية قال: « نهاية القذافى ستكون مأساوية، لأنه لا يستطيع الفرار خارج بلده نهائيا، واتخوف من تقسيم ليبيا».وأضاف : « عند رؤيتى للقذافى للمرة الأولى تصورت أنه رجل فى منتهى البراءة، والآن أتعجب من كيفية نجاحه فى قيادة ثورة 1969، وكيف استولى على السلطة التى مكس فيها لمدة 40 عاما».وتابع هيكل : «تقابلت مع القذافى عدة مرات،وشاهدت خلافاته المتكررة مع السادات والتى كان بعضها يثير الضحك، زارنى القذافى فى إحدى المرات فى مكتبى بصحيفة الأهرام وأبلغنى عن قراءته خبرا حول تعطيل مجموعة مصانع بسبب نقص المواد الخام، وابدى استعداده دفع 300 مليون جنيه إسترلينى لشراء المواد اللازمة لها.. أبلغت السادات بذلك، فقال لى: احضره حالا إلى مكتبى، فانتقلت بالقذافى فى سيارتى إلى منزل الرئيس الراحل على الفور»..وأضاف هيكل: « القذافى قال للسادات : أنا أشكو لك من هيكل، واعرب عن استيائه من نشر صورة كبيرة للملك فيصل فى جريدة الأهرام، فقلت إن ما نشر مجرد إعلان، فما كان منه إلا أن قال للسادات : كيف تنشرون صورة لعدوك، واصفا فيصل بالرجعية، فرد عليه السادات : لا تصف فيصل بالرجعيه لأنه صديقى، فعلق القذافى، لأ مش صديقك ولا حاجة، مما اضطر السادات إلى رفض منحة القذافى، وقال له: «انت حتشترينا بفلوسك

وتطرق هيكل إلى ما تشهده البحرين، مؤيدا الرأى القائل أن «دعاة التغيير فى البحرين ظلموا». مرجعا ذلك لـ «استبدال العالم العربى للصهيونية بالتشيع» مستنكرا معاملة إيران باعتبارها العدو لا إسرائيل، وقال : « أعلم أن إيران ليست ملاكا، ولكن لدينا شيطانا فى قلب المنطقة (إسرائيل)».وحول موجة التغيير فى دولة الخليج اعتبر هيكل أن السعودية «أهم دول الخليج التى يقع على عاتقها إجراء إصلاحات اجتماعية وسياسية حقيقية عاجلة، مبديا تخوفه تجاه «الخلل الذى تعانيه دول الخليج تجاه علاقتها بالدول المحيطة لها»، وأضاف : «السعودية كانت دائما تقاتل وتدير معاركها من بعيد باستخدام الآخرين ولأول مرة نجدها متداخلة ومتشابكة بشكل مباشر مع ما يحدث فى الدول العربية، وهذا تطور مهم، مما يعنى أن دول الخليج ليست بمعزل عن التغيرات التى تشهدها المنطقة».قال هيكل: «إننا فى لحظة مليئة بالآمال الكبرى، والتى تتخللها فى ذات الوقت مخاطر كبرى أيضا، لأن المنطقة العربية مفتوحة ومكشوفة أمام العالم.  مشيرا إلى أن الشعوب العربية لديها آمال كبرى فى التغيير ،والتى ولدت مخاطر كبرى لأنها كشفت أمام الجميع، فأصبح أمامها قوى متربصة تترقب بحرص لحماية مصالحها فى المنطقة

وأضاف: «هذه القوى تعمل بعدة وسائل، أولاها العمل السرى، ثم الضغوط الاقتصادية والسياسية، ثم تنتهى باستخدام العمل العسكرى إذا استوجب الأمر، فنحن الآن أمام عالم عربى لم يمر بمرحلة خطورة كالتى يحياها حاليا».وشدد هيكل على ضرورة «اتضاح الرؤية سريعا فى الدول التى بدأت فيها الثورة (مصر وتونس)، ولتستقر أوضاعهم عن طريق رسم خطط مستقبلية يسيرون على خطاها خلال المرحلة المقبلة وتدفعهم إلى التطور وخاصة مصر»،موضحا أن مصر «تمثل ثلث العالم العربى تقريبا، لأن مصر تؤدى دور ضابط الإيقاع فى المنطقة العربية ، مما يعكس بدوره الأهمية الشديدة لما تشهده مصر من أحداث بعد الثورة ورأى هيكل أن خروج مصر من العالم العربى «أخل بتوازن المنطقة، فعملت كل دولة على التمسك بموقفها وتجمدت فى مواقعها ،لأن مصر هى محرك العالم العربى»، مرجعا صعوبة تحقيق تغييرات سريعة بعد الثورة فى مصر وتونس إلى تجريف النظم الحاكمة فى كلا البلدين للبشر وثروات البلاد، مضيفا أنه فيما يخص الوضع المصرى فهى بلد على وشك أن توضع فى صندوق مغلق. ففى شرقها توجد إسرائيل وقطاع غزة المغلق، وفى جنوبها السودان الذى يعانى من التمزق بداخله» فمصر بلد تقع عليها مسئولية كبيرة تجاه المنطقة فى الوقت التى تقيد فيها حركتها

وفسر هيكل بطء إيقاع التغيير فى مصر وتونس بأنه «نتيجة المفاجأة التى أحدثتها الثورتان وأفسدت ترتيبات النظم الحاكمة، فقامت ثورة فى مصر لأول مرة بلا قيادة أو فكرة أساسية محركة.. فنحن أمام وضع مفاجئ، ايجاد نوع من البطء فى تحقيق الطموحات فى وقت تنطلق فيه آمال الشعوب على أشدها»، وأبدى هيكل تخوفه من وفود عناصر قادمة من باكستان وغيرها تتجه إلى الجبل الأخضر فى ليبيا، قد نستيقظ فى يوم من الأيام ونجد فى الجبل الأخضر بؤرة مجهولة وخطرة تتكون بشكل ما، ولا يشترط أن تكون إرهابية

 

 

 

  

 

 

( 5) : العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني

كامل النجار

 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=263674

قبل اكتشاف النفط في مملكة الوهابية، كانت إنكلترا قد تعاقدت مع الملك سعود على دفع راتب له بمبلغ 5000 جنيه سترليني شهرياً، مقابل أن يكون ممثل مصالحها في منطقة الشرق الأوسط. وكان العميل الإنكليزي فيلبي هو الذي يقوم بدفع المبلغ للملك (The Devil’s Game, Robert Dreyfuss, p 42). وبالطبع كانت المملكة حديثة التكوين عبارة عن صحراء يقطن أغلب سكانها في الخيام السوداء حول الواحات ولم تكن حكومة الملك سعود تقدم لهم أي خدمات لأن مبلغ الخمسة آلاف جنيه كانت لاحتياجات الملك وأسرته. وحتى بعد اكتشاف النفط في ثلاثينات القرن المنصرم، كان أغلب مدخول النفط يذهب للشركات الأمريكية ممثلة في شركة أرامكو بالظهران، والتي كانت تدفع للملك جزءاً بسيطاً من الدخل كل عام. وفي هذا الأثناء كان شعب المملكة يعتمد بشكل كبير على البواخر التي كانت تأتي من مصر والسودان محملة بالبضائع والخراف. وحتى كسوة الكعبة كانت تاتيهم سنوياً من سلطنة دارفور في غرب السودان، ثم تولت مصر الكسوة بعد ذلك. وتدريجياً ازداد مدخول المملكة من واردات النفط مع ازدياد اعداد الآبار النفطية الجديدة. ولسوء حظ العالم العربي ظهر في الخمسينات نجم الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي دعا إلى القومية العربية وإنهاء عهد الملوك في الشرق الأوسط، مما أثار سُخط آل سعود

انصب هم آل سعود في تلك الفترة على إنهاء حكم عبد الناصر عن طريق تمويل الجماعات الإسلامية في مصر وفي بقية البلاد العربية، فاحتضنوا أفراد الإخوان المسلمين الذين كانوا قد هربوا من مصر بعد محاولة إغتيال جمال عبد الناصر عام 1954. أغدق آل سعود المال والوظائف الجامعية على جماعة الإخوان المسلمين بينما كانت أجزاء كبيرة من الشعب السعودي ما زالت تعيش في الخيام ولا تعرف الصرف الصحي، ولا الطرق المعبدة ولا المياه النقية.

بعد موت عبد الناصر في عام 1970 واعتلاء أنور السادات، الرئيس المؤمن، سدة الحكم وانفتاح مصر على السوق الحرة لاغتيال اشتراكية عبد الناصر، رجع الإخوان المسلمون من السعودية محملين بالبترودولارات لنشر الفكر الديني في ربوع مصر وغيرها، كخير وسيلة للحفاظ على نظام آل سعود، ولتعبيد الطريق لتمكين الإخوان من حكم مصر حتى تكون مصر سنداً لآل سعود

وكتطبيق عملي لهذه النظرية تفتق ذهن الأمير محمد الفيصل، ابن الملك فيصل، عن فكرة إنشاء البنوك الإسلامية، واستعان بشخصيات دينية إخوانية في مصر منهم مفتي الجمهورية، والسيد عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء الأسبق، وعثمان أحمد عثمان، والشيخ يوسف القرضاوي، ويوسف ندا، والشيخ عمر عبد الرحمن مؤسس الجماعة الإسلامية، والمسجون حالياً في أمريكا بعد إدانته في تفجيرات مركز التجارة العالمي في نيويورك، فأنشأ بنك فيصل الإسلامي في مصر في عام 1976 بعد موافقة السادات على شروط معينة منها: ضمان عدم تأميم البنك مستقبلاً، وعدم خضوع البنك الإسلامي لقوانين البنوك في مصر، وعلى أن يعمل البنك في سرية كاملة دون الخضوع لمراجعة حساباته، وأن يُعفى من الضرائب المصرية (نفس المرجع أعلاه، ص 165).
كان جميع المتنفذين في بنك فيصل الإسلامي من الإخوان المسلمين الذين استفادوا من تمويل البنك في ترشيح وفوز أعضاء البرلمان المتعاطفين مع الإخوان، وإنشاء مؤسسات وصحف إسلامية تنشر أفكار الوهابية والإخوان في مصر. وعندما زاد ثراء الإخوان في مصر بعد أن كانوا قبل ذلك يعتمدون فقط على الاشتراكات من أعضاء الجماعة نفسها، بدءوا نشر البنوك الإسلامية الإخوانية في الأردن، والكويت، والسودان وتركيا. وبذا استطاعت مملكة آل سعود من نشر نفوذها الوهابي في تلك البلاد، بل تعدتها إلى البلاد الإسلامية الفقيرة مثل بالكستان وأفغانستان. فأغدق آل سعود عن طريق البنوك الإسلامية الصرف على الحكام الديكتاتوريين مثل الجنرال ضياء الحق ومولى عمر لنقل تلك البلاد إلى المذهب الوهابي المتعصب.
أما في الكويت التي كانت دولة منفتحة على القرن العشرين وكان نساؤها لا يعرفن الحجاب، وجامعاتها مختلطة، خشي آل الصباح من التأثير الناصري على شبابهم، بالإضافة إلى تخوفهم من الأعداد الغفيرة من الفلسطينيين العاملين في الكويت في ذلك الوقت والذين كانوا يميلون إلى الإشتراكية والشيوعية، فاستعان أمير الكويت بجماعة الإخوان المسلمين الأردنية التي كانت مساندة للملك حسين في حرب سبتمبر ضد حركة فتح في الأردن، وكذلك استعان بحركة الإخوان المسلمين الكويتية الصغيرة في ذلك الوقت، وكانت تُعرف باسم "حركة الإصلاح"، فنصحوه بحل البرلمان وإنشاء بنك التمويل الكويتي في عام 1977 تحت سيطرة الإخوان. وكما في مصر، فقد منحت العائلة المالكة هذا البنك نفس الشروط التي حصل عليها بنك فيصل في مصر، منها الأعفاء الكامل من مراقبة البنك المركزي، والعمل في سرية تامة، واحتكار سوق الاستثمار الإسلامي إذ منعت الحكومة إنشاء أي بنك إسلامي آخر في الكويت. واستطاع بنك التمويل الكويتي أن يصبح بين ليلة وضحاها ثاني أكبر بنك في الكويت، وبدأ باستقطاب القبائل البدوية والصرف عليهم وإدماجهم في حياة المدينة حتى يكونوا الوقاء العاذل للعائلة المالكة من أهل المدينة الذين كان أغلبهم من الأثرياء الكارهين لآل الصباح. وبالطبع أحضر البدو معهم إلى المدينة كل القيم الصحراوية المحافظة على التراث والعادات الجاهلية-الإسلامية. وفي وقت قصير جداً أصبحت مدينة الكويت مدينة محافظة حسب النظرة الإسلامية، ومنعت مدارسها تعليم الموسيقى واختلاط التعليم، وتحجبت نساؤها، وصعد نجم الإخوان في البرلمان الكويتي، الذي أصبح يشغل جل وقته في جلسات تدين من تجرأ وشتم الصحابة أو تحدث عن زوجات الرسول، أو رسم كاريكاتور لنبي الإسلام. وأجاز برلمان الكويت مصادرة الكتب والمجلات والصحف وحتى أفكار الناس. وانتهت كويت الستينات التي كانت تصدر مجلة العربي وحل مكانها أصدار كتب الحديث التي تعج بقصص عذاب القبر ونار جهنم. والآن انقلب السحر على الساحر وأصبح نواب الإخوان في البرلمان شوكة في خاصرة العائلة الحاكمة وأصبح عملهم الرئيسي مساءلة الوزراء من آل الصباح في البرلمان وإسقاط الحكومة تلو الأخرى بهدف إضعاف المؤسسة البرلمانية وربما الإيعاز إلى ضباطهم بالجيش لعمل انقلاب عسكري إخواني على طريقة البشير والترابي في السودان.
وفي السودان افتتح بنك فيصل الإسلامي فرعاً له في الخرطوم وحصر التوظيف بالبنك على المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك التسليف كان لا يُمنح إلا للأعضاء المسجلين مع الجماعة. وفي فترة وجيزة نمت طبقة من الأثرياء الإخوانيين الذين استعملوا ثروتهم الجديدة في تدعيم أسس الوهابية من بناء المساجد وإنشاء الصحف والمجلات المؤيدة للنشاط الإسلامي، وفرضوا على المرأة السودانية ارتداء الزي الإسلامي السعودي، المعروف بالعباءة. وانتشرت مدارس تحفيظ القرآن والقنوات الفضائية ومحطات الراديو التي تُدعّم مكانة الإسلاميين. وفي ظرف وجيز أُنشئت بنوك إسلامية أخرى بلغت في مجملها خمسة بنوك. وازداد فقر السودانيين غير المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وتقهقر وضع المرأة السودانية التي كانت من أوائل النساء العربيات اللاتي سُمح لهن بالتصويت ودخول البرلمان كعضو فاعل. واختفى، أو كاد صوتها في الحياة العامة، إلا صراخها عندما تُجلد في الميادين العامة لارتدائها البنطال بدل العباءة

أما في الجزائر فقد كانت جبهة الإنقاذ الجزائرية على علاقة وطيدة بآل سعود الذين قدموا لها البترودولارات بسخاء (Algeria, the Next Fundamentalist State, Graham Fuller, p xx). وقد أُنشئت جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر، والتي ولدت لنا جبهة الإنقاذ، بواسطة جماعة الإخوان المسلمين المصرية بتمويل سعودي كامل. فقد أرسلت مصر الشيخ محمد الغزالي ومجموعة من المحاضرين الإسلاميين للتدريس بجامعة الجزائر فأنشأوا ونشروا فكر جماعة الإخوان. وبالطبع لم يرمش جفن لآل سعود عندما يئست جبهة الإنقاذ من تولي السلطة بعد أن استلمها الجيش وألغى نتائج الانتخابات التي كانت سوف تأتي بالإسلاميين إلى الحكم، فبدءوا حربهم الغاشمة ضد المواطنين الجزائريين، وسرقوا البنوك واغتصبوا النساء وفجروا الرجال في الأسواق والأماكن العامة. كل ذلك يهون في سبيل حفاظ آل سعود على ملكهم وإحاطته بدول إسلامية تدعمه.
أيادي آل سعود الطويلة قد طالت الأردن الذي كانت تمده السعودية بالنفط مجاناً عن طريق أنابيب شركة التابلاين التابعة لشركة أرامكو، وبالتالي كان استمرار حكم الملك حسين يعتمد على إرضاء آل سعود والأمريكان. ولذلك فرضت السعودية على الملك حسين الاعتراف بحزب الإخوان المسلمين في الأردن وحل جميع الأحزاب الأخرى. ونسبةً لسوء علاقة سوريا وحزب البعث مع مملكة آل سعود، فقد أوعز الأخيرون للملك حسين باستعمال إخوان الأردن في مؤامرة مع إسرائيل وبعض أعضاء جماعة الإخوان السوريين الذين كانوا يتدربون في معسكرات الكتائب السرية في لبنان تحت إشراف إسرائيل، بشن تفجيرات في سوريا في عام 1981 لزعزعة النظام وتمكين الإخوان من السيطرة على الحكم. وقد اعترف الملك حسين بعد أربعة سنوات بتلك المؤامرة ضد سوريا وأعتذر من حكومة حافظ الأسد (جريدة التاايمز اللندنية، 12 نوفمبر 1985).
ظل البترودولار هو الملك الرئيسي في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ثم تعداها إلى غيرها. وبنهاية القرن العشرين أصبحت البنوك الإسلامية البيضة التي تبيض ذهباً للإسلاميين، وتُفرّخ لنا الوهابية من تلك البيضات الذهبية. فبنهاية العام 2004 كان هناك 270 بنك إسلامي، رأس مالها 260 بليون دولار (
The General Council of Islamic Banks and Financial Institutions, Agence France Presse, April 25, 2004، نقلاً عن روبرت درايفوس، لعبة الشيطان) . كل هذا المال الإسلامي كان وراءه الأمير محمد الفيصل وصالح بن عبد الله كامل، أخو زوجة الملك فهد. وقد أنشأ الأخير بنك البركة في جدة، وكان أهم أعضائه الشيخ يوسف القرضاوي. وقد باض بنك البركة في جدة بيضة جديدة فقست في جزر البهاما تحت مسمى "بنك التقوى" الذي أنشأه يوسف ندا، عضو الإخوان المسلمين.

ولما لم يكن لبنك البركة في جدة، أو بنك التقوى في البهاما أي حاجة لنشر الوهابية، عمل البنكان في تمويل الإرهاب الإسلامي ممثلاً في القاعدة. ولما كانت عائلة آل سعود قد اعتمدت اعتماداً كلياً على المؤسسة الدينية الوهابية ومنحتها حق تنظيم مناهج التعليم في المملكة، وكثر عدد الخريجين الذين لا يؤهلهم تعليمهم الديني لأداء أي وظيفة حكومية، وزاد عدد الشباب العاطلين وبدأ الفراغ يلعب بعقولهم مما جعل آل سعود يخافون من اشتعال نار الثورات عليهم، وخاصةً بعد أحداث الحرم المكي في عام 1979التي قادها جهيمان العتيبي، وأدت إلى قصف المسجد الحرام بواسطة مدفعية الجنود السعوديين (في غياب الطير الأبابيل)، تفتقت ذهنية آل سعود ومستشاريهم من الأمريكان عن وسيلة تشغل الشباب المتشددين وتصرف أنظارهم بعيدا عما يدور في مملكة الوهابية من فساد، فوجدوا في أفغانستان ضالتهم فقاموا بتمويل وإرسال الآلاف من الشباب السعوديين لمساعدة المجاهدين الأفغان في قتالهم ضد الروس. ثم قاموا بإنشاء المدارس الدينية الوهابية في مخيمات اللاجئين الأفغان في باكستان، وهي نفس المدارس التي تعلم فيها قادة وجنود طالبان.

ولما ازداد الطلب على تمويل الإرهابيين في كل أنحاء العالم، جند آل سعود حلفاءهم الخليجيين لفتح بنك التجارة والتسليف العالمي Bank of Credit and Commerce International في لندن تحت إدارة باكستانية. وقد اشتهر البنك بتمويل الإرهاب وغسيل الأموال والمتاجرة بالمخدرات حتى أصبح اسمه غير الرسمي Bank of Crooks and Criminals International. وقد انهار ذلك البنك في عام 1988، ووضعت أمريكا بنك التقوى في البهاما على قائمة المنظمات التي تمول الإرهاب ومنعت التعامل معه.
ثم أنشأت مملكة آل سعود منظمة المؤتمر الإسلامي والرابطة الإسلامية بتمويل من بنك التنمية الإسلامي في جدة
Islamic Development Bank، وأصبحت هتان المنظمتان رأس الرمح الذي اخترق جسد الدول الإسلامية بواسطة البترودولارات التي تضخانها في تلك الدول لنشر الفكر الوهابي وتخلف المجتمعات تحت اسم التنمية. ثم زادت المملكة على ذلك بأن ضاعفت عدد الجمعيات الخيرية التي كانت تجمع التبرعات من رجال الأعمال لدعم نشاط القاعدة. وبلغت التحويلات من الجمعيات الخيرية السعودية والخليجية إلى القاعدة في أفغانستان، بين عامي 1979 و 1989 ستمائة مليون دولار ، كما تقول مجلة "الوطن العربي". وقد انفقت السعودية في العقدين الأخيرين مبلع 87 بليون دولار لنشر المذهب الوهابي في جميع ربوع العالم، حسب شهادة أحد الخبراء أمام الكونجرس الأمريكي في 26 يونيو 2003.

ولم يكتف آل سعود بذلك، بل فتحوا مدارس التعليم الوهابي في جم¡